تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
الدفع بشدة ، ومنه العتلة ، وقوله :
بَعْدَ ذلِكَ
معناه ، بعد ما وصفناه به ، فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف ، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف وإلا فكونه عتلا ، هو قبل كونه صاحب خير يمنعه ، والزنيم : في كلام العرب ، الملصق في القوم وليس منهم ، وقد فسر به ابن عباس هذه الآية ، وقال مرة الهمداني : إنما ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة سنة ، يعني الذي نزلت فيه هذه الآية ، ومن ذلك قول حسان بن ثابت : [ الطويل ]
وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
ومنه قول حسان بن ثابت أيضا : [ الطويل ]
زنيم تداعاه الرجال زيادة * كما زيد في عرض الأديم الأكارع
فقال كثير من المفسرين : هذا هو المراد في الآية . وذلك أن الأخنس بن شريق كان من ثقيف ، حليفا لقريش . وقال ابن عباس : أراد ب « الزنيم » أن له زنمة في عنقه كزنمة الشاة ، وهي الهنة التي تعلق في عنقها ، وما كنا نعرف المشار إليه ، حتى نزلت فعرفناه بزنمته . قال أبو عبيدة : يقال للتيس زنيم إذ له زنمتان ، ومنه قول الأعرابي في صفة شاته : كأن زنمتيها نتوا قليسية . وروي أن الأخنس بن شريق كان بهذه الصفة كان له زنمة . وروى ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الصفة ، لم يعرف صاحبها حتى نزلت
زَنِيمٍ
فعرف بزنمته . وقال بعض المفسرين : الزنيم : المريب ، القبيح الأفعال . واختلفت القراءة في قوله :
أَنْ كانَ ذا مالٍ
. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم وأهل المدينة : « أن كان » على الخبر ، وقرأ حمزة : « أأن كان » بهمزتين محققتين على الاستفهام ، وقرأ ابن عامر والحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وأبو جعفر : « آن كان » على الاستفهام بتسهيل الهمزة الثانية ، والعامل في
أَنْ كانَ
فعل مضمر تقديره : كفر أو جحد أو عند ، وتفسير هذا الفعل ، قوله :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ
الآية ، وجاز أن يعمل المعنى وهو متأخر من حيث كان قوله
أَنْ كانَ
في منزلة الظرف ، إذ يقدر باللام ، أي لأن كان ، وقد قال فيه بعض النحاة : إنه في موضع خفض باللام ، كما لو ظهرت ، فكما يعمل المعنى في الظرف المتقدم فكذلك يعمل في هذا ، ومنه قوله تعالى :
يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ سبأ : 7 ] . فالعامل في :
إِذا
[ سبأ : 7 ] ، معنى قوله :
إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
[ سبأ : 7 ] ، أي تبعثون ، ونحوه من التقدير ، ولا يجوز أن يعمل :
تُتْلى
في
إِذا
لأنه مضاف إليه وقد أضيف
إِذا
إلى الجملة ولا يجوز أن يعمل في
أَنْ
، قال لأنها جواب
إِذا
ولا تعمل فيما قبلها . وأجاز أبو علي أن يعمل فيه
عُتُلٍّ
وإن كان قد وصف ، ويصح على هذا النظر أن يعمل فيه
زَنِيمٍ
لا سيما على قول من يفسره بالقبيح الأفعال ، ويصح أن يعمل في
أَنْ كانَ
، تطيعه التي يقتضيها قوله :
وَلا تُطِعْ
[ القلم : 10 ] . وهذا على قراءة الاستفهام يبعد وإنما يتجه لا تطعه لأجل كونه كذا ، و
أَنْ كانَ
، على كل وجه ، مفعول من أجله وتأمل . وقد تقدم القول في الأساطير في غير ما موضع . وقوله تعالى :
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
معناه على الأنف قاله المبرد ، وذلك أن
الْخُرْطُومِ
يستعار في أنف الإنسان . وحقيقته في مخاطم السباع ، ولم يقع التوعد في هذه الآية ، بأن
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 348 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى