تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
هذه آية وعظ وتذكير وتقريب للآخرة ، وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية . وقرأ جمهور الناس : « ولتنظر » بسكون اللام وجزم الراء على الأمر ، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة وفرقة كذلك بالأمر إلا أنها كسرت اللام على أصل لام الأمر ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما روي عنه : « ولتنظر » بنصب الراء على لام كي كأنه قال وأمرنا بالتقوى لتنظروا ، كأنه قال :
اتَّقُوا اللَّهَ
ولتكن تقواكم « لتنظر » ، وقوله تعالى :
لِغَدٍ
يريد يوم القيامة ، قال قتادة : قرب اللّه القيامة حتى جعلها غدا ، وذلك أنها آتية لا محالة وكل آت قريب ، ويحتمل أن يريد بقوله
لِغَدٍ
: ليوم الموت ، لأنه لكل إنسان كغده ومعنى الآية : ما قدمت من الأعمال ، فإذا نظرها الإنسان تزيد من الصالحات ، وكف عن السيئات ، وقال مجاهد وابن زيد : الأمس : الدنيا ، وغد : الآخرة ، وقرأ الجمهور : « ولا تكونوا » بالتاء من فوق على مخاطبة جميع الذين آمنوا ، وقرأ أبو حيوة « يكونوا » بالياء من تحت كناية عن النفس التي هي اسم الجنس ، والذين
نَسُوا اللَّهَ
هم الكفار ، والمعنى : تركوا اللّه وغفلوا عنه ، حتى كانوا كالناسين ، وعبر عما حفهم به من الضلالة ب
فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
سمى عقوبتهم باسم ذنبهم بوجه ما ، وهذا أيضا هو الجزاء على الذنب بالذنب تكسبوهم نسيان جهة اللّه فعاقبهم اللّه تعالى بأن جعلهم ينسون أنفسهم ، قال سفيان : المعنى حظ أنفسهم ، ويعطي لفظ هذه الآية ، أن من عرف نفسه ولم ينسها عرف ربه تعالى ، وقد قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : اعرف نفسك تعرف ربك ، وروي عنه أنه قال أيضا : من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه . وقرأ ابن مسعود : « ولا أصحاب الجنة » بزيادة لا . وقوله تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ
الآية ، موعظة للإنسان أو ذم لأخلاقه في غفلته وإعراضه عن داعي اللّه تعالى ، وذلك أن القرآن نزل عليهم وفهموه وأعرضوا عنه ، وهو لو نزل على جبل وفهم الجبل منه ما فهم الإنسان لخشع واستكان وتصدع خشية اللّه تعالى ، وإذا كان الجبل على عظمه وقوته يفعل هذا فما عسى أن يحتاج ابن آدم يفعل ؟ لكنه يعرض ويصد على حقارته وضعفه ، وضرب اللّه تعالى هذا المثل ليتفكر فيه العاقل ويخشع ويلين قلبه ، وقرأ طلحة بن مصرف « مصدعا » على إدغام التاء في الصاد . قوله عزّ وجل :

[ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 22 إلى 24 ]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 291 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى