وإما أن يكون مصدرا على وزن فعلان ، كالليان وما جرى مجراه أصله : روحان ، أبدلت الواو ياء كما بدلوا الواو ياء في أشاوى وإما أن يكون مصدرا شاذا في المعتل كما شذ كينونة وبينونة ، فأصله ريوحان ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، فجاء ريحان ، فخفف كما قالوا ميت وميت وهين وهين .
والآلاء : النعم ، واحدها إلى مثل معي وإلى مثل قفا ، حكى هذين أبو عبيدة ، وإلى مثل أمر وإلى مثل حصن ، حكى هذين الزهراوي . والضمير في قوله :
رَبِّكُما
للجن والإنس ، وساغ ذلك ولم يصرح لهما بذكر على أحد وجهين إما أنهما قد ذكرا في قوله :
لِلْأَنامِ
على ما تقدم من أن المراد به الثقلان ، وإما على أن أمرهما مفسر في قوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
[ الرحمن : 14 ]
وَخَلَقَ الْجَانَّ
[ الرحمن : 15 ] فساغ تقديمهما في الضمير اتساعا . وقال الطبري : يحتمل أن يقال هذا من باب ألقيا في جهنم ويا غلام اضربا عنقه . وقال منذر بن سعيد خوطب من يعقل لأن المخاطبة بالقرآن كله هي للإنس والجن ، ويروى أن هذه الآية لما قرأها النبي صلى اللّه عليه وسلم سكت أصحابه فقال : « إن جواب الجن خير من سكوتكم ، أي لما قرأتها على الجن قالوا : لا ، بأيها نكذب يا ربنا » .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 18 ]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 )
قال كثير من المفسرين :
الْإِنْسانَ
آدم . وقال آخرون : أراد اسم الجنس ، وساغ ذلك من حيث أبوهم مخلوق من الصلصال .
واختلف الناس في اشتقاق الصلصال ، فقال مكي فيما حكى النقاش : هو من صلّ اللحم وغيره إذا نتن ، فهي إشارة إلى الحمأة . وقال الطبري وجمهور المفسرين : هو من صلّ إذا صوت ، وذلك في الطين لكرمه وجودته ، فهي إشارة إلى ما كان من تربة آدم من الطين الحر ، وذلك أن اللّه تعالى خلقه من طيب وخبيث ومختلف اللون ، فمرة ذكر في خلقه هذا ، ومرة هذا ، وكل ما في القرآن في ذلك صفات ترددت على التراب الذي خلق منه . و « الفخار » : الطين الطيب إذا مسه الماء فخر أي ربا وعظم .
و :
الْجَانَّ
اسم جنس ، كالجنة . و : « المارج » اللهب المضطرب من النار . قال ابن عباس : وهو أحسن النار المختلط من ألوان شتى . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه بن عمر : « كيف بك إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأمانتهم » .
وكرر قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
تأكيدا أو تنبيها لنفوس وتحريكا لها ، وهذه طريقة من الفصاحة معروفة ، وهي من كتاب اللّه في مواضع ، وفي حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي كلام العرب وذهب قوم منهم ابن قتيبة وغيره إلى أن هذا التكرار إنما هو لما اختلفت النعم المذكورة كرر التوقيف مع كل واحدة منها ، وهذا حسن . قال الحسين بن الفضل : التكرار لطرد الغفلة ولا تأكيد .