قوله عزّ وجل :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 4 إلى 8 ]
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 4 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 )
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ
إلى قوله
رَحِيمٌ
نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم ، وذلك أنهم وفدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم وهي تسعة ، فجعلوا ولم ينتظروا ، فنادوا بجملتهم : يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير ، فتربص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم خرج إليهم ، فقال له الأقرع بن حابس : يا محمد إن مدحي زين وذمي شين ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ويلك ، ذلك اللّه تعالى » واجتمع الناس في المسجد ، فقام خطيبهم وفخر ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر اللّه والإسلام ، فأربى على خطيبهم ، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخرا ، فقام حسان بن ثابت ففخر باللّه وبالرسول وبالبسالة ، فكان أشعر من شاعرهم ، فقال بعضهم لبعض : واللّه إن هذا الرجل لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ثم نزلت فيهم هذه الآية .
هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية ، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس ، وفي مصحف ابن مسعود : « أكثرهم بنو تميم لا يعقلون » ، و :
الْحُجُراتِ
: جمع حجرة .
وقرأ جمهور القراء : « الحجرات » بضم الحاء والجيم ، وقرأ أبو جعفر القاري وحده : « الحجرات » بضم الحاء وفتح الجيم .
وقوله تعالى :
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
يعني في الثواب عند اللّه وفي انبساط نفس النبي صلى اللّه عليه وسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم ، وذلك كله خير ، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم .
وقوله تعالى :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع .
وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
سببها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقا ، فروي أنه كان معاديا لهم فأراد إذايتهم ، فرجع من