هناك بيانا للمقابلة في الاستيفاء أنّ النفس تؤخذ بالنفس ، والأطراف بالأطراف ، ردّا على من تبلغ به الحميّة إلى أن يأخذ نفس جان عن طرف مجنىّ عليه ، والشريعة تبطل الحميّة وتعضد الحماية .
المسألة التاسعة - قوله تعالى :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ . . .
« 1 » إلى آخرها .
قال القاضي رضى اللّه عنه : هذا قول مشكل تبلّدت فيه ألباب العلماء ، واختلفوا في مقتضاه ؛ فقال مالك في رواية ابن القاسم : موجب العمد القود خاصة ، ولا سبيل إلى الدية إلا برضا من القاتل ، وبه قال أبو حنيفة . وروى أشهب عنه أنّ الولىّ مخيّر بين أحد أمرين إن شاء قتل ، وإن شاء أخذ الدّية ، وبه قال الشافعي .
وكاختلافهم اختلف من مضى من السلف قبلهم . وروى عن ابن عباس العفو أن تقبل الدية في العمد ، فيتبع بمعروف وتؤدّى إليه بإحسان ، يعنى يحسن في الطلب من غير تضييق ولا تعنيف ، ويحسن في الأداء من غير مطل « 2 » ولا تسويف .
ونحوه عن قتادة ومجاهد وعطاء والسّدّى ، زاد قتادة : بلغنا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : من زاد أو ازداد بعيرا
، يعنى في إبل الدّية ، فمن أمر الجاهلية ، وكأنه يعنى فاتباع بالمعروف لا يزاد على الدية المعروفة في الشرع .
وقال مالك : تفسيره من أعطى من أخيه شيئا من العقل « 3 » فيتبعه بالمعروف ؛ فعلى هذا الخطاب للولىّ . قيل له : إن أعطاك أخوك القاتل الدية المعروفة فاقبل ذلك منه واتبعه .
وقال أصحاب الشافعي : تفسيره إذا أسقط الولىّ القصاص ، وعيّن له من الواجبين له الدية فاتبعه على ذلك أيّها الجاني على هذا المعروف ، وأدّ إليه بإحسان .
وهذا يدور على حرف ، وهو معرفة تفسير العفو ، وله في اللغة خمسة موارد :
الأول - العطاء ، يقال : جاد بالمال عفوا صفوا ، أي مبذولا من غير عوض .
الثاني - الإسقاط ، ونحوه « 4 » :
وَاعْفُ عَنَّا
، وعفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق .
الثالث - الكثرة ، ومنه قوله تعالى « 5 » :
حَتَّى عَفَوْا
، أي كثروا ، ويقال : عفا الزرع ، أي طال .
الرابع - الذهاب ، ومنه قوله : عفت الديار .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية 178
( 2 ) المطل والتسويف : التأخير والتأجيل .
( 3 ) العقل : الدية .
( 4 ) البقرة : 286
( 5 ) الأعراف : 95