وهذا كلّه صحيح في اللغة سائغ ، لكن إذا قام عليه دليل ؛ فأين الدليل ؟
الثاني - أنّ اللّه تعالى قال في ميراث الأخوات « 1 » :
فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ
، فحمل العلماء البنتين [ 118 ] على الأختين في الاشتراك في الثلثين ، وحملوا الأخوات على البنات في الاشتراك في الثلثين ، وكان هذا نظرا دقيقا وأصلا عظيما في الاعتبار ، وعليه المعوّل ، وأراد الباري بذلك أن يبيّن لنا دخول القياس في الأحكام .
الثالث - أنّ الكلام في ذلك لما وقع بين عثمان وابن عباس ؛ قال له عثمان : إنّ قومك حجبوها ، يعنى بذلك قريشا ، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وهم المخاطبون ، والقائمون لذلك ؛ والعاملون به ؛ فإذا ثبت هذا فلا يبقى لنظر ابن عباس وجه ؛ لأنه إن عوّل على اللغة فغيره من نظائره ومن فوقه من الصحابة أعرف بها ، وإن عوّل على المعنى فهو لنا ؛ لأنّ الأختين كالبنتين كما بيّنا ، وليس في الحكم بمذهبنا خروج عن ظاهر الكلام ؛ لأنّا بينّا أنّ في اللغة واردا لفظ الاثنين على الجميع .
المسألة الرابعة عشرة - قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
.
قال علماؤنا : هذا فصل عظيم من فصول الفرائض ، وأصل عظيم من أصول الشريعة ؛ وذلك أنّ اللّه سبحانه جعل المال قواما للخلق ؛ ويسّر لهم السبب إلى جمعه بوجوه متعبة ، ومعان عسيرة ، وركّب في جبلّاتهم الإكثار منه والزيادة على القوت الكافي المبلّغ إلى المقصود ، وهو تاركه بالموت يقينا ، ومخلّفه لغيره ، فمن رفق الخالق بالخلق صرفه عند فراق الدنيا ؛ إبقاء على العبد وتخفيفا من حسرته على أربعة أوجه :
الأول - ما يحتاج إليه من كفنه وجهازه إلى قبره .
الثاني - ما تبرأ به ذمّته من دينه .
الثالث - ما يتقرّب به إلى اللّه من خير ليستدرك به ما فات في أيام مهلته .
الرابع - ما يصير إلى ذوى قرابته الدانية وأنسابه المشتبكة المشتركة .
فأما الأول فإنما قدّم ؛ لأنه أولى بماله من غيره ، ولأنّ حاجته الماسّة في الحال متقدمة دينه ، وقد كان في حياته لا سبيل لقرابته إلى قوته ولباسه ، وكذلك في كفنه .
هامش
( 1 ) سورة النساء آية 176