وتحقيق هذا القول أنّ الطلاق كان في الجاهلية فعلا مهملا كسائر أفعالها ، فشرع اللّه تعالى أمده ، وبيّن حدّه ، وأوضح في كتابه حكمه ، وعلى لسان رسوله تمامه وشرحه ، فقال « 1 » علماؤنا [ رحمة اللّه عليهم ] « 2 » : طلاق السنّة ما اجتمعت فيه ثمانية شروط ، بيانها في كتب الفروع : أحدها - تفريق الإيقاع ومنع الاجتماع ، تولّى اللّه سبحانه بيانه في هذه الآية ، وهذا يقتضى أن تكون طلقتين متفرقتين ؛ لأنهما إن كانتا مجتمعتين لم يكن مرتين .
ورأى الشافعي أنّ جمع الثلاث مباح ، وذلك يدلّ عليه قوله تعالى « 3 » :
لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
.
وكذلك يقتضى حديث ابن عمر المتقدم سياقه أمرين : أحدهما - تفريق الإيقاع .
والثاني - كيفية الاستدراك بالارتجاع ، وهي أيضا تفسير المراد بالكتاب لقوله : فتلك العدّة التي أمر اللّه تعالى أن يطلّق لها النساء .
المسألة الرابعة - إن هذه الآية عرّف فيها الطلاق بالألف واللام ؛ واختلف الناس في تأويل التعريف على أربعة أقوال :
الأول : معناه الطلاق المشروع [ مرّتان ] « 4 » ، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع ؛ يروى عن الحجاج بن أرطاة والرافضة قالوا : لأنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إنما بعث لبيان الشرع ، فما جاء على غيره فليس بمشروع .
الثاني - معناه الطلاق الذي فيه الرجعة مرّتان ؛ وذلك لأنّ الجاهلية كانت تطلّق وتردّ أبدا ، فبيّن اللّه سبحانه أنّ الردّ إنما يكون في طلقتين ، بدليل قوله تعالى « 5 » :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
.
الثالث - أنّ معناه الطلاق المسنون مرّتان ؛ قاله مالك .
الرابع - معناه الطلاق الجائز مرّتان ؛ قاله أبو حنيفة .
فأما من قال : إنّ معناه الطلاق المشروع فصحيح ؛ لكن الشرع يتضمّن الفرض والسنّة والجائز والحرام ، فيكون المعنّى بكونه مشروعا أحد أقسام المشروع الثلاثة المتقدمة ، وهو
هامش
( 1 ) في ل : قال .
( 2 ) ليس في ل .
( 3 ) سورة الطلاق ، آية 1
( 4 ) ليس في ل .
( 5 ) سورة البقرة ، آية 229