الجمهور « كشف » ، وقرأ قتادة « كاشف » ، ووجهها أنها فاعل من واحد بمعنى كشف وهي ضعيفة ، و
فَرِيقٌ
هنا يراد به المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالا من شفاء المرض وجلب الخير ودفع الضر ، فهم إذا شفاهم اللّه عظموا أصنامهم ، وأضافوا ذلك الشفاء إليها ، وقوله
لِيَكْفُرُوا
يجوز أن يكون اللام لام الصيرورة أي فصار أمرهم ليكفروا ، وهم لم يقصدوا بأفعالهم تلك أن يكفروا ، ويجوز أن تكون لام أمر على معنى التهديد والوعيد ، كقوله
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] والكفر هنا يحتمل أن يكون كفر الجحد باللّه والشرك ، ويؤيده قوله :
بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
، ويحتمل أن يكون كفر النعمة وهو الأظهر ، لقوله :
بِما آتَيْناهُمْ
أي بما أنعمنا عليهم ، وقرأ الجمهور
فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
على معنى قل لهم يا محمد ، وروى أبو رافع عن النبي عليه السلام « فيمتعوا » بياء من تحت مضمومة « فسوف يعلمون » على معنى ذكر الغائب وكذلك في الروم ، وهي قراءة أبي العالية ، وقرأ الحسن « فتمتعوا » على الأمر « فسوف يعلمون » بالياء على ذكر الغائب ، وعلى ما روى أبو رافع يكون « يمتعوا » في موضع نصب عطفا على « يكفروا » إن كانت اللام لام كي ، أو نصبا بالفاء في جواب الأمر إن كانت اللام لام أمر ، ومعنى التمتع في هذه الآية بالحياة الدنيا التي مصيرها إلى الفناء والزوال .
قوله عزّ وجل :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 56 إلى 59 ]
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 )
الضمير في قوله
وَيَجْعَلُونَ
للكفار ، وقوله
لِما لا يَعْلَمُونَ
يريد الأصنام ، ومعناه لا يعلمون فيهم حجة ولا برهانا ، ويحتمل أن يريد بقوله :
يَعْلَمُونَ
الأصنام ، أي يجعلون لجمادات لا تعلم شيئا
نَصِيباً
، فالمفعول محذوف ، ثم عبر عنهم بعبارة من يعقل بحسب مذهب الكفار الذين يسندون إليها ما يسند إلى من يعقل ، وبحسب أنه إسناد منفي ، وهذا كله ضعيف ، و « النصيب » المشار إليه هو ما كانت العرب سنته من الذبح لأصنامها والإهداء إليها ، والقسم لها من الغلات ، ثم أمر اللّه تعالى نبيه عليه السلام ، أن يقسم لهم أنهم سيسألون على افترائهم في أن تلك السنن هي الحق الذي أمر اللّه به كما قال بعضهم ، و « الفرية » اختلاق الكذب وقوله
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ
الآية ، هذا تعديد لقبح قول الكفار :
الملائكة بنات اللّه ورد عليهم من وجهين ، أحدهما نسبة النسل إلى اللّه تعالى عن ذلك ، والآخر أنهم نسبوا من النسل الأخس المكروه عندهم ، و
ما
في قوله
ما يَشْتَهُونَ
مرتفعة بالابتداء ، والخبر في المجرور قبله ، وأجاز الفراء أن تكون في موضع نصب عطفا على
الْبَناتِ
، والبصريون لا يجيزون هذا لأنه من باب ضربتني ، وكان يلزم عندهم أن يكون لأنفسهم ما يشتهون ، والمراد بقوله
ما يَشْتَهُونَ
: الذكران من الأولاد ، وقوله
وَإِذا بُشِّرَ
لما صرح بالشيء المبشر به حسن ذكر البشارة فيه وإلا فالبشارة مطلقة لا تكون إلا في خير ، وقوله
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
عبارة عن العبوس والتقطيب الذي يلحق المغموم ، وقد يعلو وجه