تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
هذه الآية هي بلا اختلاف نازلة عتابا على تخلف من تخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام غزا فيها الروم في عشرين ألفا بين راكب وراجل ، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون فالعتاب في هذه الآية هو للقبائل وللمؤمنين الذين كانوا بالمدينة ، وخص الثلاثة كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية بذلك التذنيب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم ، وكان تخلفهم لغير علة حسب ما يأتي ، وقوله
ما لَكُمْ
استفهام بمعنى التقرير والتوبيخ ، وقوله
قِيلَ
يريد النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا أن صرفه الفعل لا يسمى فاعله يقتضي إغلاظا ومخاشنة ما ، و « النفر » هو التنقل بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث ، يقال في ابن آدم نفر إلى الأمر ينفر نفيرا ونفرا ، ويقال في الدابة نفرت تنفر بضم الفاء نفورا ، وقوله
اثَّاقَلْتُمْ
أصله تثاقلتم أدغمت التاء في الثاء فاحتيج إلى ألف الوصل كما قال
فَادَّارَأْتُمْ
وكما تقول أزين ، وكما قال الشاعر [ الكسائي ] : [ البسيط ]
تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا * عذب المذاق إذا ما اتّابع القبل
وقرأ الأعمش فيما حكى المهدوي وغيره « تثاقلتم » على الأصل ، وذكرها أبو حاتم « تتثاقلتم » بتاءين ثم ثاء مثلثة ، وقال هي خطأ أو غلط ، وصوب « تثاقلتم » بتاء واحدة وثاء مثلثة أن لو قرئ بها ، وقوله
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
عبارة عن تخلفهم ونكولهم وتركهم الغزو لسكنى ديارهم والتزام نخلهم وظلالهم ، وهو نحو من أخلد إلى الأرض ، وقوله :
أَ رَضِيتُمْ
تقرير يقول أرضيتم نزر الدنيا على خطير الآخرة وحظها الأسعد ، ثم أخبر فقال إن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر ، فتعطي قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر بدل الكثير الباقي ، وقوله
إِلَّا تَنْفِرُوا
الآية ،
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ
شرط وجواب ، وقوله
يُعَذِّبْكُمْ
لفظ عام يدخل تحته أنواع عذاب الدنيا والآخرة ، والتهديد بعمومه أشد تخويفا ، وقالت فرقة يريد يعذبكم بإمساك المطر عنكم ، وروي عن ابن عباس أنه قال : استنفر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبيلة من القبائل فقعدت فأمسك اللّه عنها المطر وعذبها به ، و « أليم » بمعنى مؤلم بمنزلة قول عمرو بن معديكرب : [ الوافر ] أمن ريحانة الداعي السميع وقوله
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
توعد بأن يبدل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوما لا يقعدون عند استنفاره إياهم ، والضمير في قوله
وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً
عائد على اللّه عزّ وجل أي لا ينقص ذلك من عزه وعز دينه ، ويحتمل أن يعود على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو أليق ،
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أي على كل شيء مقدور وتبديلهم منه ليس بمحال ممتنع .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 34 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى