وقالت فرقة : انظر - معناه : انظر إلينا ، فكأنه استدعاء اهتبال وتحف ، ومنه قول ابن الرقيات [ الخفيف ] :
ظاهرات الجمال والحسن ينظر * ن كما تنظر الأراك الظّباء
وَأَقْوَمَ
معناه : أعدل وأصوب ، « واللعنة » : الإبعاد ، فمعناه : أبعدهم من المهدي ، و
قَلِيلًا
:
نعت ، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم ، والمعنى مختلف ، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال : إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم : أرض قل ما تنبت كذا وهي لا تنبته جملة ، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك ، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر شريعته ونواهيها ، ومن عبر بالقلة عن النفر قال : لا يؤمن منهم إلا قليل ، كعبد اللّه بن سلام ، وكعب الأحبار ، وغيرهما ، وإذا قدرت الكلام نفرا قليلا ، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 47 إلى 48 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 )
هذا خطاب لليهود والنصارى ، و
لِما مَعَكُمْ
معناه من شرع وملة ، لا لما كان معهم من مبدل ومغير ، و « الطامس » : الدائر المغير الاعلام ، كما قال ذو الرمة : [ البسيط ]
من كل نضّاخة الذّفرى إذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول
ومن ذلك قيل للأعمى المسدودة عيناه : أعمى مطموس ، وقالت طائفة : « طمس الوجوه » هنا : أن تعفى أثر الحواس فيها . وتزال الخلقة منه فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس ، فيكون أرد على « الأدبار » في هذا الموضع بالمعنى ، أي خلوه من الحواس دبرا لكونه عامرا بها ، وقال ابن عباس وعطية العوفي : « طمس الوجوه » أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشى القهقرى ، وحكى الطبري عن فرقة : أن طمس الوجوه أن تتغير أعلامها وتصير منابت للشعر ، فذلك هو الرد على الدبر ، ورد على هذا القول الطبري ، وقال مالك رحمه اللّه : كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من أليل وهو يقرأ هذه الآية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته . فأسلم مكانه ، وقال : واللّه لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي ، وقال مجاهد والحسن والسدي والضحاك : ذلك تجوز ، وإنما المراد به وجوه الهدى والرشد ، وطمسها حتم الإضلال والصد عنها والتصيير إلى الكفر ، وهو الرد على الأدبار ، وقال ابن زيد : الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها ، وطمسها : إخراجهم منها ، والرد على الأدبار : هو رجوعهم إلى الشام من حيث أتوا أولا ، و
أَصْحابَ السَّبْتِ
: هم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت في الصيد ، حسبما