ولم تترتب الأحوال التي ذكر هذا المتأول ، وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب في هذه الآية في آخر زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فإن تمثل أحد بهذه الآية لحالة العرب فتمثله صحيح ، وأما أن تكون حالة العرب هي سبب الآية فبعيد لما ذكرناه ، وقوله
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ترج بحسب البشر متعلق بقوله
وَاذْكُرُوا
.
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 27 إلى 30 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 )
هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة ، وهو يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها ، قال الزهراوي : والمعنى لا تخونوا بغلول الغنائم ، وقال الزهراوي وعبد اللّه بن أبي قتادة : سبب نزولها أمر أبي حبابة ، وذلك أنه أشار لبني قريظة حين سفر إليهم إلى حلقه يريد بذلك إعلامهم أنه ليس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا الذبح ، أي فلا تنزلوا ، ثم ندم وربط نفسه بسارية من سواري المسجد حتى تاب اللّه عليه ، الحديث المشهور ، وحكى الطبري أنه أقام سبعة أيام لا يذوق شيئا حتى تيب عليه ، وحكي أنه كان لأبي لبابة عندهم مال وأولاد فلذلك نزلت
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
، وقال عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد اللّه : سببها أن رجلا من المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية ، فقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
معناه أظهروا الإيمان ، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقا أن لا يفعلوا فعل ذلك المنافق ، وحكى الطبري عن المغيرة بن شعبة أنه قال : أنزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي اللّه عنه .
قال القاضي أبو محمد : يشبه أن تمثل بالآية في قتل عثمان رحمه اللّه ، فقد كانت خيانة للّه وللرسول والأمانات ، والخيانة التنقص للشيء باختفاء وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما ، مالا كان أو سرّا أو غير ذلك ، والخيانة للّه تعالى هي في تنقص أوامره في سر . وخيانة الرسول تنقص ما استحفظ ، وخيانات الأمانات هي تنقصها وإسقاطها ، والأمانة حال للإنسان يؤمن بها على ما استحفظ ، فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير ، وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم ، وأظن الفارسي أبا علي حكاه ،
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد ، وقوله
فِتْنَةٌ
يريد محنة واختبارا وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك ، وقوله
وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
يريد فوز الآخرة فلا تدعوا حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن المدخور للآخرة أعظم قدرا من مكاسب الدنيا .
وقوله تعالى :
وَتَخُونُوا
قال الطبري : يحتمل أن يكون داخلا في النهي كأنه قال : لا تخونوا اللّه