وبهذين الفعلين تقوم الحجة عليهم في قولهم الباطل ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ، « وادارسوا » ما فيه وقال الطبري وغيره ، قوله :
وَدَرَسُوا
معطوف على قوله :
وَرِثُوا الْكِتابَ
.
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر لبعد المعطوف عليه لأنه قوله :
وَدَرَسُوا
يزول منه معنى إقامة الحجة بالتقدير الذي في قوله :
أَ لَمْ
ثم وعظ وذكر تبارك وتعالى بقوله :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
وقرأ جمهور الناس : « أفلا تعقلون » بالتاء من فوق وقرأ أبو عمرو وأهل مكة : « يعقلون » بالياء من أسفل .
وقوله :
وَالَّذِينَ
عطف على قوله :
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأبو عمرو والناس : « يمسّكون » بفتح الميم وشد السين وقرأ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وأبو العالية وعاصم وحده في رواية أبي بكر . « يمسكون » بسكون الميم وتخفيف السين ، وكلهم خفف
وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ
[ الممتحنة : 10 ] إلا أبا عمرو فإنه قرأ : « ولا تمسّكوا » بفتح الميم وشد السين ، وقرأ الأعمش « والذين استمسكوا » وفي حرف أبيّ « والذين مسكوا » يقال أمسك ومسك وهما لغتان بمعنى واحد ، قال كعب بن زهير : [ البسيط ]
فما تمسك بالعهد الذي زعمت * إلا كما تمسك الماء الغرابيل
أما أن شد السين يجري مع التعدي بالباء .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 171 إلى 172 ]
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 171 ) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 )
نَتَقْنَا
معناه اقتلعنا ورفعنا فكأن النتق اقتلاع الشيء ، تقول العرب : نتقت الزبدة من فم القربة ، ومنه قول الشاعر : [ الرجز ]
ونتقوا أحلامنا الأثاقلا
والناتق الرحم التي تقلع الولد من الرجل ، ومنه قول النابغة :
لم يحرموا حسن الغداء وأمهم * دحقت عليك بناتق مذكار
وفي الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « عليكم بتزويج الأبكار فإنهن أنتق أرحاما وأطيب أفواها » الحديث . وقد جاء في القرآن بدل هذه اللفظة في هذه القصة بعينها رفعنا لكن
نَتَقْنَا
، و
فَوْقَهُمْ
أعطت الرفع بزيادة قرينة هي أن الجبل اقتلعته الملائكة وأمر اللّه إياه ، وروي أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فقال عن اللّه تعالى هذا كتاب اللّه أتقبلونه بما فيه ؟ فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم ، قالوا : انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة