إلى اللّه ، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى : اجعل لنا صنما نفرده بالعبادة ونكفر بربك ، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم إذ سألوا أمرا حراما فيه الإشراك في العبادة ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر باللّه عزّ وجل ، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي صلى اللّه عليه وسلم في قول أبي واقد الليثي له في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة : اجعل لنا يا رسول اللّه ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه ، فأراد أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الإسلام ، فرأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة ، فأنكره وقال : « اللّه أكبر قلتم واللّه كما قالت بنو إسرائيل
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
لتتبعن سنن من قبلكم » .
قال القاضي أبو محمد : ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادا ، وقال بعض الناس كان ذلك من بني إسرائيل كفرا ولفظة الإله تقتضي ذلك ، وهذا محتمل ، وما ذكرته أولا أصح عندي واللّه تعالى أعلم .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 139 إلى 141 ]
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 139 ) قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 140 ) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 141 )
أعلمهم موسى عن اللّه عزّ وجل بفساد حال أولئك القوم ليزول ما استحسنوه من حالهم فقال
إِنَّ هؤُلاءِ
إشارة إلى أولئك القوم
مُتَبَّرٌ
أي مهلك مدمر ردي العاقبة ، قاله السدي وابن زيد ، والتبار الهلاك وسوى العقبى وإناء متبر أي مكسور وكسارته تبر ومنه تبر الذهب لأنه كسارة ، وقوله :
ما هُمْ فِيهِ
لفظ يعم جميع حالهم
وَباطِلٌ
معناه فاسد ذاهب مضمحل .
وقوله تعالى :
قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ
الآية ، أمر اللّه موسى عليه السلام أن يوقفهم ويقررهم على هذه المقالة ، ويحتمل أن يكون القول من تلقائه عليه السلام ،
أَبْغِيكُمْ
معناه : أطلب لكم ، من بغيت الشيء إذا طلبته ، و
غَيْرَ
منصوبة بفعل مضمر هذا هو الظاهر ، ويحتمل أن ينتصب على الحال كأن تقدير الكلام : قال أبغيكم إلها غير اللّه فهي في مكان الصفة فلما قدمت نصبت على الحال ، و
الْعالَمِينَ
لفظ عام يراد به تخصيص عالم زمانهم ، لأن أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أفضل منهم بإجماع ، ولقوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 110 ] اللهم إلا أن يراد بالفضل كثرة الأنبياء منهم فإنهم فضلوا في ذلك على العالمين بالإطلاق .
ثم عدد عليهم في هذه الآية النعم التي يجب من أجلها أن لا يكفروا به ولا يرغبوا عبادة غيره ، وقرأت فرقة « نجيناكم » ، وقرأ جمهور الناس : « أنجيناكم » وقد تقدم ، وروي عن ابن عباس « وإذ أنجاكم » أي أنجاكم اللّه وكذلك هي في مصاحف أهل الشام ، و
يَسُومُونَكُمْ
معناه يحملونكم ويكلفونكم ، تقول