وقوله :
يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
إلى آخر الآية كلام يقتضي أن
شُعَيْباً
عليه السلام وجد في نفسه لما رأى هلاك قومه حزنا وإشفاقا إذ كان أمله فيهم غير ذلك ، فلما وجد ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم والقسوة عليهم فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم الذي استوجبوا به أن لا يتأسف عليهم ، فذكر أنه بلغ الرسالة ونصح ، والمعنى فأعرضوا وكذبوا ، ثم قال لنفسه لما نظرت في هذا وفكرت فيه
فَكَيْفَ آسى
على هؤلاء الكفرة ، ويحتمل أن يقول هذه المقالة على نحو قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لأهل قليب بدر ، وقال مكي : وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها ، و
آسى
:
أحزن ، وقرأ ابن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش : « إيسى » بكسر الهمزة وهي لغة كما يقال أخال وأيمن ، قال عبد اللّه ابن عمر لا إخاله ، وقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر في كتاب الحج لا أيمن وجميع ذلك في البخاري ، وهذه اللغة تطرد في العلامات الثلاث ، همزة التكلم ونون الجماعة وتاء المخاطبة ، ولا يجوز ذلك في ياء الغائب كذا قال سيبويه ، وأما قولهم من وجل ييجل فلعله من غير هذا الباب .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 96 ]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 )
هذه الآية خبر من اللّه عزّ وجل أنه ما بعث نبيا في مدينة وهي « القرية » إلا أخذ أهلها المكذبين له
بِالْبَأْساءِ
وهي المصائب في الأموال والهموم وعوارض الزمن ،
وَالضَّرَّاءِ
وهي المصائب في البدن كالأمراض ونحوها ، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة ، وحكي عن السدي ما يقتضي أن اللفظتين تتداخل فتقال كل واحدة على المعنيين ، و
لَعَلَّهُمْ
ترج بحسب اعتقاد البشر وظنونهم ،
يَضَّرَّعُونَ
أي ينقادون إلى الإيمان ، وهكذا قولهم الحمى أضرعتني لك .
ثم قال تعالى أنه بعد إنفاذ الحكم في الأولين بدل للخلق مكان السيئة وهي « البأساء » و « الضراء » الحسنة وهي « السراء » والنعمة ، وهذا بحسب ما عند الناس ، وإلا فقد يجيء الأمر كما قال الشاعر :
[ البسيط ]
قد ينعم اللّه بالبلوى وإن عظمت * ويبتلي اللّه بعض القوم بالنعم
قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما يصح مع النظر إلى الدار الآخرة والجزاء فيها ، والنعمة المطلقة هي التي لا عقوبة فيها : والبلوى المطلقة هي التي لا ثواب عليها ، و
حَتَّى عَفَوْا
معناه : حتى كثروا يقال عفا النبات والريش « يعفو » إذا كثر نباته ، ومن هذا المعنى قول الشاعر : [ الوافر ]
ولكنها يعضّ السيف منها * بأسوق عافيات الشحم كوم