يريد
فَإِنْ كَذَّبُوكَ
فيما أخبرت به أن اللّه حرمه عليهم وقالوا لم يحرم اللّه علينا شيئا وإنما حرمنا ما حرم إسرائيل على نفسه ، قال السدي وهذه كانت مقالتهم
فَقُلْ
يا محمد على جهة التعجب من حالهم والتعظيم لفريتهم في تكذيبهم لك مع علمهم بحقيقة ما قلت ،
رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ
، إذ لا يعاجلكم بالعقوبة مع شدة جرمكم .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا كما تقول عند رؤية معصية أو أمر مبغي ما أحلم اللّه ، وأنت تريد لإمهاله على مثل ذلك في قوله
رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ
قوة وصفهم بغاية الاجترام وشدة الطغيان ، ثم أعقب هذه المقالة بوعيد في قوله
وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
فكأنه قال : ولا تغتروا أيضا بسعة رحمته فإن له بأسا لا يرد عن المجرمين إما في الدنيا وإما في الآخرة ، وهذه الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمه بالقتال ، وأخبر اللّه عزّ وجل نبيه عليه السلام : أن المشركين سيحتجون لصواب ما هم عليه من شركهم وتدينهم بتحريم تلك الأشياء بإمهال اللّه تعالى وتقريره حالهم وأنه لو شاء غير ذلك لما تركهم على تلك الحال .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وبين أن المشركين لا حجة لهم فيما ذكروه لأنّا نحن نقول : إن اللّه عزّ وجل لو شاء ما أشركوا ولكنه عزّ وجل شاء إشراكهم وأقدرهم على اكتساب الإشراك والمعاصي ومحبته والاشتغال به ثم علق العقاب والثواب على تلك الأشياء والاكتسابات ، وهو الذي يقتضيه ظواهر القرآن في قوله
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ *
[ التوبة : 82 - 95 ] ونحو ذلك ، ويلزمهم على احتجاجهم أن تكون كل طريقة وكل نحلة صوابا ، إذ كلها لو شاء اللّه لم تكن .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وقال بعض المفسرين : إنما هذه المقالة من المشركين على جهة الاستهزاء ، وهذا ضعيف ، وتعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالت : إن اللّه قد ذم لهم هذه المقالة وإنما ذمها لأن كفرهم ليس بمشيئة اللّه تعالى بل هو خلق لهم .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وليس الأمر على ما قالوا ، وإنما ذم اللّه تعالى ظن المشركين أن ما شاء اللّه لا يقع عليه عقاب وأما أنه ذم قولهم : لولا المشيئة لم نكفر فلا ، ثم قال
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام ، كأنه قال : سيقول المشركون كذا وكذا وليس في ذلك حجة لهم ، ولا شيء يقتضي تكذيبك ولكن
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك اللّه لهم دليل على رضاه بحالهم ، وفي قوله
حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
وعيد بيّن ، وليس في الآية رد منصوص على قولهم : لو شاء اللّه ما أشركنا ، وإنما ترك الرد عليهم مقدرا في الكلام لوضوحه وبيانه ، وقوله
وَلا آباؤُنا
معطوف على الضمير المرفوع في
أَشْرَكْنا
والعطف على الضمير المرفوع لا يرده قياس ، بخلاف المظنون ، لكن سيبويه قد قبح العطف على الضمير المرفوع ، ووجه قبحه أنه لما بني الفعل صار