أنزل الكتاب على موسى ، ثم اعترض على بني إسرائيل فقال لهم خلال الكلام تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا » بالياء في الأفعال الثلاثة ، فمن رأى الاحتجاج على قريش رآه إخبارا من اللّه عزّ وجل بما فعلته اليهود في الكتاب ، ويحتمل أن يكون الإخبار بذلك لقريش أو للنبي صلى اللّه عليه وسلم وحده ، وما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم في القرآن فأمته متلقية ذلك ، و
قَراطِيسَ
جمع قرطاس أي بطائق وأوراقا والمعنى يجعلونه ذا قراطيس من حيث يكتب فيها ، وتوبيخهم بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم آيات محمد عليه السلام والإخبار بنبوته وجميع ما عليهم فيه حجة وقوله :
وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ
قال مجاهد وغيره هي مخاطبة للعرب ، فالمعنى على هذا قصد ذكر منة اللّه عليهم بذلك أي علمتم يا معشر العرب من الهدايات والتحيد والإرشاد إلى الحق ما لم تكونوا عالمين به ولا آباؤكم .
قال القاضي أبو محمد : وقوله :
وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا
يصلح على هذا المعنى لمخاطبة من انتفع بالتعليم ومن لم ينتفع به ، ويصح الامتنان بتعليم الصنفين ، وليس من شرط من علم أن يعلم ولا بد ، اما أن التعليم الكامل هو الذي يقع معه التعلم ، وقالت فرقة بل هي مخاطبة لبني إسرائيل ، والمعنى على هذا يترتب على وجهين ، أحدهما أن يقصد به الامتنان عليهم وعلى آبائهم بأن علموا من دين اللّه وهداياته ما لم يكونوا عالمين به ، لأن آباء المخاطبين من بني إسرائيل كانوا علموا أيضا وعلم بعضهم ، وليس ذلك في آباء العرب ، والوجه الآخر أن يكون المقصود منهم أي وعلمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه بعد التعليم ولا انتفعتم به لإعراضكم وضلالكم ثم أمره تعالى بالمبادرة إلى موضع الحجة أي قل : اللّه هو الذي أنزل الكتاب على موسى ويحتمل أن يكون المعنى فإن جهلوا أو تحيروا أو سألوا أو نحو هذا فقل اللّه ثم أمره بترك من كفر وأعرض ، وهذه آية منسوخة بآية القتال إن تأولت موادعة ، وقد يحتمل أن لا يدخلها نسخ إذا جعلت تتضمن تهديدا ووعيدا مجردا من موادعة ، و « الخوض » الذهاب فيما لا تسبر حقائقه ، وأصله في الماء ثم يستعمل في المعاني المشكلة الملتبسة ، و
يَلْعَبُونَ
في موضع الحال .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 92 ]
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 )
قوله
هذا
إشارة إلى القرآن ، و
مُبارَكٌ
صفة له ، و
مُصَدِّقُ
كذلك ، وحذف التنوين من
مُصَدِّقُ
للإضافة وهي إضافة غير محضة لم يتعرف بها مصدق ولذلك ساغ أن يكون وصفا لنكرة ، و
الَّذِي
في موضع المفعول ، والعامل فيه مصدر ، ولا يصلح أن يكون
مُصَدِّقُ
مع حذف التنوين منه يتسلط على
الَّذِي
، ويقدر حذف التنوين للالتقاء وإنما جاء ذلك شاذا في الشعر في قوله : [ المتقارب ]
فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا