قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر ، والاجتناب أن يجعل الشيء جانبا أو ناحية .
ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر ، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل ، حتى ربما بقي المقمور حزينا فقيرا فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة ، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء ، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللّه إخوانا » ، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو ، و
الْبَغْضاءَ
تنقض عرى الدين وتهدم عماد الحماية ، وكذلك أيضا يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر اللّه وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات ، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك ، وفي قوله تعالى :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا .
ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه
وَأَطِيعُوا
وكرر
أَطِيعُوا
في ذكر الرسول تأكيدا ، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة أي إنما على الرسول أن يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع .
قوله عزّ وجل :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 93 إلى 94 ]
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 )
سبب هذه الآية فيما قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك : أنه لما نزل تحريم الخمر ، قال قوم من الصحابة : يا رسول اللّه ، كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول ؟ فنزلت هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد : وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى ، ونزلت
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[ البقرة : 143 ] ولما كان أمر القبلة خطيرا ومعلما من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته ، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم ، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات ، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي ، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم ، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها ، و « الجناح » الإثم والحرج ، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي و
طَعِمُوا
معناه ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب ، وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق ، والتكرار في قوله
اتَّقَوْا
يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم ، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال