تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
قال القاضي أبو محمد : وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية ، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم لعنهم اللّه وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان عيسى في زمنه ، وروي عن ابن عباس أنه قال : لعن على لسان داود أصحاب السبت ، وعلى لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة ، وقوله تعالى :
ذلِكَ
إشارة إلى لعنتهم وباقي الآية بيّن . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 79 إلى 81 ]

كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) ذم اللّه تعالى هذه الفرقة الملعونة بأنهم
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
أي إنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي وإن نهى منهم ناه فعن غير جد ، بل كانوا لا يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته وخلطته ، وروى ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على ذنب نهاه عنه تعزيرا ، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون خليطه وأكيله ، فلما رأى اللّه ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ، قال ابن مسعود : وكان رسول اللّه متكئا فجلس ، وقال : لا واللّه حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا . قال القاضي أبو محمد : والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين ، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه وأن لا يخالط ذا المنكر ، وقال حذاق أهل العلم : ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من المعصية ، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا ، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهى بعضهم بعضا . واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية ، لأن قوله
يَتَناهَوْنَ
و
فَعَلُوهُ
يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي . وقوله تعالى :
لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
اللام لام قسم ، وجعل الزجاج
ما
مصدرية وقال : التقدير لبئس شيئا فعلهم . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر ، وقال غيره
ما
نكرة موصوفة ، التقدير : لبئس الشيء الذي كانوا يفعلون فعلا . وقوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
تَرى كَثِيراً
يحتمل أن يكون رؤية قلب وعلى هذا فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين ، أي ترى الآن إذا خبرناك ، ويحتمل أن يريد من معاصري محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنه كان يرى ذلك من أمورهم ودلائل حالهم ، ويحتمل أن تكون الرؤية رؤية عين فلا يريد إلا معاصري محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله تعالى :
لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ
أي قدمته
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 224 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى