العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في اللّه ، وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال : من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ، ملأه اللّه أمنا وإيمانا ، والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير ، وهذا حيث يجوز للإنسان ألا يعفو ، وحيث يتجه حقه ، وقال أبو العالية :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
، يريد المماليك .
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن على جهة المثال ، إذ هم الخدمة ، فهم مذنبون كثيرا ، والقدرة عليهم متيسرة ، وإنفاذ العقوبة سهل ، فلذلك مثل هذا المفسر به ، وذكر تعالى بعد ذلك أنه
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
، فعم هذه الوجوه وسواها من البر ، وهذا يدلك على أن الآية في المندوب إليه ، ألا ترى إلى سؤال جبريل عليه السلام ، فقال : ما الإيمان ؟ ثم قال ما الإسلام ؟ فذكر له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المفروضات ، ثم قال له : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، الحديث .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 135 إلى 136 ]
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 136 )
ذكر اللّه تعالى في هذه الآية صنفا دون الصنف الأول ، فألحقهم بهم برحمته ومنه ، فهؤلاء هم التوابون ، وروي في سبب هاتين الآيتين : أن الصحابة قالوا : يا رسول اللّه ، كانت بنو إسرائيل أكرم على اللّه منا حين كان المذنب منهم يصبح وعقوبته مكتوبة على باب داره ، فأنزل اللّه هذه الآية توسعة ورحمة وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل ، ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية ، وروى أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ما من عبد يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ويصلي ركعتين ويستغفر إلا غفر له ، وقوله
وَالَّذِينَ
عطف جملة ناس على جملة أخرى ، وليس
الَّذِينَ
بنعت كرر معه واو العطف ، لأن تلك الطبقة الأولى تنزه عن الوقوع في الفواحش ، و « الفاحشة » هنا صفة لمحذوف أقيمت الصفة مقامه ، التقدير : فعلوا فعلة فاحشة ، وهو لفظ يعم جميع المعاصي ، وقد كثر اختصاصه بالزنا ، حتى فسر السدي هذه الآية بالزنا ، وقال جابر بن عبد اللّه لما قرأها : زنى القوم ورب الكعبة ، وقال إبراهيم النخعي : الفاحشة من الظلم ، والظلم من الفاحشة وقال قوم : الفاحشة في هذه الآية إشارة إلى الكبائر ، وظلم النفس إشارة إلى الصغائر ، و
ذَكَرُوا اللَّهَ
معناه : بالخوف من عقابه والحياء منه ، إذ هو المنعم المتطول ومن هذا قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : رحم اللّه صهيبا لو لم يخف اللّه لم يعصه ، و « استغفروا » معناه : طلبوا الغفران ، واللام معناها : لأجل « ذنوبهم » ، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى :
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
، اعتراضا موقفا للنفس ، داعيا إلى اللّه ، مرجيا في عفوه ، إذا رجع إليه ، وجاء اسم
اللَّهَ
مرفوعا بعد الاستثناء والكلام موجب ، حملا على المعنى ، إذ هو بمعنى وما يغفر الذنوب إلا اللّه ، وقوله تعالى :
وَلَمْ يُصِرُّوا
الإصرار معناه : اعتزام الدوام على الأمر ، وترك الإقلاع عنه ، ومنه صر الدنانير : أي الربط عليها ، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي : « علم اللّه أنها مني صرى » .