للمسلمين وقوله
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
نفي أن يكون منزلا كما ادعوا ، وهو من عند اللّه بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب ولم تعن الآية إلا لمعنى التنزيل فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله ، وما هو من عند اللّه ، وقد تقدم نظير قوله تعالى
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
.
وقوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ
معناه لأحد من الناس ، والبشر اسم جنس يقع للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه ، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول أبي بكر رضي اللّه عنه : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي فيه ، كقوله تعالى :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[ آل عمران : 145 ] وقوله تعالى :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
[ النحل : 60 ] فهذا منتف عقلا ، وأما آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنّا نقطع أن اللّه تعالى لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين ، و
الْكِتابِ
في هذه الآية اسم جنس ، و
الْحُكْمَ
بمعنى الحكمة ، ومنه قول النبي عليه السلام : إن من الشعر لحكما ، و
ثُمَّ
في قوله تعالى :
ثُمَّ يَقُولَ
معطية تعظيم الذنب في القول ، بعد مهلة من هذا الإنعام ، وقوله
عِباداً
هو جمع عبد ، ومن جموعه عبيد وعبدي ، قال بعض اللغويين ، هذه الجموع بمعنى ، وقال قوم ، العباد للّه ، والعبيد والعبدي للبشر ، وقال قوم : العبدي ، إنما تقال في العبيد بني العبيد ، وكأنه بناء مبالغة ، تقتضي الإغراق في العبودية .
قال القاضي أبو محمد : والذي استقريت في لفظة العباد ، أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ *
[ البقرة : 207 ] [ آل عمران : 30 ] و
عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[ الأنبياء : 26 ]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض لرحمة اللّه
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
[ المائدة : 118 ] فنوه بهم ، وقال بعض اللغويين : إن نصارى الحيرة وهم عرب لما أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد ، وقال قوم بل هم قوم من العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى عبادة اللّه ، وأما العبيد فيستعمل في تحقير ، ومنه قول امرئ القيس : [ السريع ] .
قولا لدودان عبيد العصا * ما غرّكم بالأسد الباسل
ومنه قول حمزة بن عبد المطلب : وهل أنتم إلا عبيد ومنه قول اللّه تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم ، وأنه تعالى ليس بظلّام لهم مع ذلك ، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك أنس بها في قوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
[ الزمر : 53 ] قال الإمام أبو محمد : فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة ، ومعنى قوله :
كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
اعبدوني واجعلوني إلها .
واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ
فقال النقاش وغيره : الإشارة