قوله
مِنَ الْآياتِ
وعلى قول الكوفيين يكون قوله
نَتْلُوهُ
صلة لذلك ، على حد قولهم في بيت ابن مفرغ الحميري :
وهذا تحملين طليق ويكون الخبر في قوله :
مِنَ الْآياتِ
، وقول البصريين في البيت أن تحملين حال التقدير ، وهذا محمولا ، و
نَتْلُوهُ
معناه نسرده ، و
مِنَ الْآياتِ
ظاهره آيات القرآن ، ويحتمل أن يريد بقوله
مِنَ الْآياتِ
من المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا ، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا تقرأ ، ولست ممن أصحب أهل الكتاب ، فالمعنى أنها آيات لنبوتك ، وهذا الاحتمال إنما يتمكن مع كون
نَتْلُوهُ
حالا ، و
الذِّكْرِ
ما ينزل من عند اللّه ، و
الْحَكِيمِ
يجوز أن يتأول بمعنى المحكم ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، ويصح أن يتأول بمعنى مصرح بالحكمة ، فيكون بناء اسم الفاعل ، قال ابن عباس ،
الذِّكْرِ
القرآن ، و
الْحَكِيمِ
الذي قد كمل في حكمته .
وذكر ابن عباس وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم ، قالوا سبب نزول قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى
الآية أن وفد نصارى نجران جادلوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في أمر عيسى ، وقالوا بلغنا أنك تشتم صاحبنا وتقول هو عبد ، فقال النبي عليه السلام ، وما يضر ذلك عيسى ، أجل هو عبد اللّه ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فقالوا فهل رأيت بشرا قط جاء من غير فحل أو سمعت به ؟ وخرجوا من عند النبي فأنزل اللّه عليه هذه الآية . وقوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ
عبر عنه بعض الناس ، بأن صفة عيسى وقرنوا ذلك بقوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
[ الرعد : 35 ] قالوا : معناه صفة الجنة .
قال الإمام أبو محمد : وهذا عندي ضعف في فهم معنى الكلام وإنما المعنى : « أن المثل » الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس كلهم مجمعون على أن اللّه تعالى خلقه من تراب من غير فحل ، وكذلك مثل الجنة عبارة عن المتصور منها ، وفي هذه الآية صحة القياس ، أي إذا تصوروا أمر آدم قيس عليه جواز أمر عيسى عليه السلام والكاف في قوله :
كَمَثَلِ
اسم على ما ذكرناه من المعنى وقوله
عِنْدَ اللَّهِ
عبارة عن الحق في نفسه ، أي هكذا هو الأمر فيما غاب عنكم ، وقوله :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
تفسير لمثل آدم ، الذي ينبغي أن يتصور ، والمثل والمثال بمعنى واحد ، ولا يجوز أن يكون
خَلَقَهُ
صلة لآدم ولا حالا منه ، قال الزجاج : إذ الماضي لا يكون حالا أنت فيها بل هو كلام مقطوع منه ، مضمنه تفسير المثل ، وقوله عزّ وجل :
ثُمَّ قالَ
ترتيب للأخبار لمحمد عليه السلام ، المعنى خلقه من تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قاله له
كُنْ
وقت كذا ، وعلى مذهب أبي علي الفارسي ، في أن القول مجازي ، مثل وقال قطني ، وأن هذه الآية عبارة عن التكوين ، ف
ثُمَّ
على بابها في ترتيب الأمرين المذكورين ، وقراءة الجمهور « فيكون » ، بالرفع على معنى فهو يكون ، وقرأ ابن عامر « فيكون » بالنصب ، وهي قراءة ضعيفة الوجه ، وقد تقدم توجيهها آنفا في مخاطبة مريم .
وقوله تعالى :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
، رفع على الابتداء وخبره فيما يتعلق به ، قوله
مِنْ رَبِّكَ
، أو الحق ذلك ، أو ما قلناه لك ، ويجوز أن يكون خبر ابتداء ، تقديره هذا الحق و
الْمُمْتَرِينَ
هم الشاكون ، والمرية