تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وقرأ أبي بن كعب « إلا من كان يهوديا » ، وكذبهم اللّه تعالى وجعل قولهم أمنية ، وقد قطعوا قبل بقوله
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ *
[ البقرة : 94 ، الجمعة : 6 ] ، وأمر محمد صلى اللّه عليه وسلم بدعائهم إلى إظهار البرهان ، وقيل : إن الهاء في
هاتُوا
أصلية من هاتا يهاتي ، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه وقيل : هي عوض من همزة آتى ، وقيل : ها تنبيه ، وألزمت همزة آتى الحذف ، والبرهان الدليل الذي يوقع اليقين ، قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي بإثبات النظر ويرد على من ينفيه ، وقول اليهود
لَنْ
نفي حسنت بعده
بَلى
، إذ هي رد بالإيجاب في جواب النفي ، حرف مرتجل لذلك ، وقيل : هي « بل » زيدت عليها الياء لتزيلها على حد النسق الذي في « بل » ، و
أَسْلَمَ
معناه استسلم وخضع ودان ، ومنه قول زيد ابن عمرو بن نفيل : [ المتقارب ] .
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا
وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان وموضع الحواس وفيه يظهر العز والذل ، ولذلك يقال وجه الأمر أي معظمه وأشرفه ، قال الأعشى : [ السريع ] :
وأول الحكم على وجهه * ليس قضائي بالهوى الجائر
ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد ،
وَهُوَ مُحْسِنٌ
جملة في موضع الحال ، وعاد الضمير في « له » على لفظ
مَنْ
، وكذلك في قوله
أَجْرُهُ
، وعاد في
عَلَيْهِمْ
على المعنى ، وكذلك في
يَحْزَنُونَ
، وقرأ ابن محيصن « فلا خوف » دون تنوين في الفاء المرفوعة ، فقيل : ذلك تخفيف ، وقيل : المراد فلا الخوف فحذفت الألف واللام ، والخوف هو لما يتوقع ، والحزن هو لما قد وقع . وقوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ
الآية ، معناه ادعى كل فريق أنه أحق برحمة اللّه من الآخر . وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فتسابوا ، وكفر اليهود بعيسى وبملته وبالإنجيل ، وكفر النصارى بموسى وبالتوراة . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها ، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة ، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وصحة نبوته ، وكلاهما تضمن صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فعنفهم اللّه تعالى على كذبهم ، وفي كتبهم خلاف ما قالوا . وفي قوله تعالى :
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ
تنبيه لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده ، كما قال الحر بن قيس في عمر بن الخطاب ، وكان وقافا عند كتاب اللّه ، و
الْكِتابَ
الذي يتلونه قيل : التوراة والإنجيل ، فالألف واللام للجنس ، وقيل : التوراة لأن النصارى تمتثلها ، فالألف واللام للعهد .