فَجَعَلَهُ غُثاءً
هشيما باليا ،
أَحْوى
أسود إذا هاج وعتق .
سَنُقْرِئُكَ
: سنعلمك ويقرأ عليك جبريل ،
فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أن تنساه وهو ما ننسخه من القرآن ، وهذا معنى قول قتادة ،
وقال مجاهد والكلبي : كان النبي ( عليه السلام ) إذا نزل جبريل بالقرآن لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بأوله مخافة أن ينساها فأنزل الله تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
فلم ينس بعد ذلك شيئا
، ووجه الاستثناء على هذا التأويل ما قاله الفراء : لم يشأ أن ينسى شيئا ، وهو كقوله سبحانه :
خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ *
« 1 » ، وأنت تقول في الكلام لأعطينّك كل ما سألت إلّا ما شاء أن أمنعك والنية أن لا تمنعه ، وعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف النمّام .
وسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول : سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول :
سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول : كان يغشي الجنيد في مجلسه أهل النسك من أهل العلوم وكان أحد من يغشاه ابن كيسان النحوي ، وكان في وقته رجلا جليلا فقال له يوما : يا أبا القاسم ما تقول في قوله سبحانه :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
فأجابه مسرعا كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات : لا تنسى العمل به ، فأعجب ابن كيسان به إعجابا شديدا وقال : لا يفضض الله فاك مثلك من يصدر عن رأيه « 2 » .
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ
من القول والفعل
وَما يَخْفى
: قال محمد بن حامد : يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها .
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
لعمل الجنّة ، وقيل : هو متصل بالكلام الأول معناه :
نعلم
الْجَهْرَ
مما تقرأه يا محمد على جبريل إذا فرغ من التلاوة عليك ،
وَما يَخْفى
ما تقرأه في نفسك مخافة ان تنساه . ثم وعده فقال :
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
أي يهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ، وقيل : ويوفقك للشريعة اليسرى ، وهي الحنفية السمحة .
فَذَكِّرْ
عظ بالقرآن
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
التذكر
سَيَذَّكَّرُ
سيتّعظ
مَنْ يَخْشى
الله سبحانه
وَيَتَجَنَّبُهَا
يعني ويتجنب التذكرة ويتباعد عنها .
الْأَشْقَى
الشقي في علم الله سبحانه .
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها
فيستريح
وَلا يَحْيى
أي حياة تنفعه .
وسمعت السلمي يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا القاسم البزاز يقول :
قال ابن عطا :
لا يَحْيى
! فيستريح عن القطيعة
وَلا يَحْيى
فيصل إلى روح الوصلة .
[ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 14 إلى 19 ]
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 )
صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 )
هامش
( 1 ) سورة هود : 107 .
( 2 ) تفسير القرطبي : 20 / 19 .