وقرأ أبو عمرو بالنون فيهما وكذلك ابن عامر قال ، هارون : فقلت لأبي عمرو : كيف تقرأ نرتع ونلعب وهم أنبياء ؟ قال : لم يكونوا يومئذ أنبياء « 1 » ، وقرأ أهل الكوفة كلاهما بالياء أي ننعم ونأكل وننشط ونلهو ، يقال : رتع فلان في ماله إذا أنعم وأنفقه في شهواته . قال القطامي :
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي * وبعد عطائك المائة الرتاعا « 2 »
وقال ابن زيد : معناه يرعى غنمه ، وينظر ويعقل فيعرف ما يعرف الرجل « 3 » .
وقرأ يعقوب نرتع بالنون
وَيَلْعَبْ
بالياء ردّا للعب إلى يوسف والرتوع إلى إخوته ، وقرأ أهل الحجاز نرتعِ بكسر العين من الارتعاء ، أي نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
.
قالَ
لهم يعقوب
إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ
أي ذهابكم
وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ
لا تشعرون ، وذلك أن يعقوب رأى في منامه أن الذئب قد شدّ على يوسف وكان يحذره ، ومن ثم قال هذا فلقّنهم العلة وكانوا لا يدرون فقالوا :
لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
عشرة رجال
إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
ضعفة عجزة مغبونون .
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ
في الكلام إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلمّا ذهبوا به
وَأَجْمَعُوا
وعزموا على
أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ
هذه الواو مقحمة زائدة تقديره أوحينا ، كقوله تعالى
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ
أي ناديناه وقال امرؤ القيس :
فلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى * بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل « 4 »
أراد انتحى .
لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
يعني أوحينا إلى يوسف ، [ سوف تتحقق ] رؤياك ، ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وما فعلوه بك ،
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بوحي الله إليه وإعلامه إياه ذلك ، وهذا معنى قول مجاهد ، وقيل « 5 » : معناه
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
أنك يوسف .
قال ابن عباس : لما دخل إخوة يوسف على يوسف
فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ وقال : أنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، يدنيه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب ثم جئتم أباكم فقلتم : إن
هامش
( 1 ) تفسير الطبري : 12 / 206 .
( 2 ) لسان العرب : 15 / 69 .
( 3 ) المصدر السابق .
( 4 ) غريب الحديث : 2 / 188 .
( 5 ) قاله أبو صالح عن ابن عبّاس ( زاد المسير : 4 / 147 )