وقال بعضهم : بل نزلت في قوم من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم ، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان منهم الكامل الذي لا يخرجه إيمانه من غلبة الطبع عليه . ومنهم من ينقص عن تلك الحالة فينفّر نفسه عمّا يؤمر به فيما يلحقه فيه الشدة .
وقيل : نزلت في قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم الجهاد نافقوا عن الجهاد من الجبن ، وتخلفوا عن الجهاد .
ويدلّ عليه إن اللّه لا يتعبد الكافر والمنافق بالشرائع بل يتعبدهم أولا بالإيمان ثم بالشرائع فلما نافقوا نبّه اللّه على أحوالهم .
وقد قال اللّه مخبرا عن المنافقين
بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
.
قُلْ
يا محمّد لهم
مَتاعُ الدُّنْيا
أي منفعتها والاستمتاع بها
قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ
يعني وثواب الآخرة
خَيْرٌ
أفضل
لِمَنِ اتَّقى
الشرك بالله ونبوة الرسول
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
.
قال ابن عباس وعلي بن الحكم : الفتيل الشق الذي في بطن النواة .
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ
أي ينزل بكم
الْمَوْتُ
نزلت في قول المنافقين لما أصيب أهل أحد ،
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
فردّ اللّه عليهم بقوله :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
.
قتادة : في قصور محصنة ، عكرمة : مجصّصة مشيّدة مزيّنة ، القتيبي : مطولة .
الضحاك عن ابن عباس البروج : الحصون والآطام والقلاع .
وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر ، وذلك أنّ اللّه حكى عن الكفار أنهم قالوا :
لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا
« 1 » وقال :
قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً
ردّ على الفريقين بقوله :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
فعرّفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من زوال الروح ، ومفارقتها الأجسام .
فإن كان ذلك بالقتل ، وإلّا فبالموت . خلافا لما قالت المعتزلة من أن هذا المقتول لو لم يقتله هذا القاتل لعاش ، فوافق قولهم هذا الكفار ، فردّ اللّه عليهم جميعا
إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
الآية .
نزلت في المنافقين واليهود ، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ، ومزارعنا ، منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه ، فأنزل اللّه تعالى
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يعني اليهود والمنافقين ، أي خصب [ وريف ] « 2 » ورخص في السعر
يَقُولُوا هذِهِ
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 156 .
( 2 ) كذا في المخطوط .