قتل رجل من بني النضير رجلا من قريضة لم يقتل به وأعطى ديته ستّين وسقا من تمر وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج .
فلما جاء اللّه بالإسلام وهاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة . قتل رجل من بني النضير رجلا من قريضة فاختصموا في ذلك .
فقالت بنو النضير : قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا ، وعلى أن ديتكم ستون وسقا والوسق ستون صاعا وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك .
وقالت الخزرج : هذا شيء كنتم قلتموه « 1 » في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا ، فقهرتمونا ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد وليس لكم علينا فضل ، وقالت بنو النضير : لا بل نحن على ما كنا .
فقال المنافقون منهم : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ومالك بن خزيمة ، وقال المسلمون من الفريقين : لا بل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم .
فقال : أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا : لك عشرة أوسق قال : لا . بل مائة وسق ديتي فاني أخاف إن نصرت النضيري قتلتني قريظة أو أنصر قريظة قتلتني النضير ، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وأنزل قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
« 2 » وقوله
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
« 3 » الآية فدعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كاهن [ اسلم ] إلى الإسلام فأتى وانصرف فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لابنيه : « أدركا أباكما فإنّه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبدا » [ 366 ] فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مناديا ينادي ذلك الكاهن أسلم قد أسلم « 4 » ، فذلك قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
يعني الصنم
، وقيل :
الكاهن ، وقيل : كعب بن الأشرف ، وقيل : حيي بن أخطب .
وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
إلى قوله :
يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً
إعراضا فكل الفعل بمصدره كقوله :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
وقوله :
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
يعني فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
يعني عقوبة صدودهم ، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام . ثم ابتدأ الخبر عن فعلهم يعني يتحاكمون إلى الطاغوت وهم يكفرون بالله ومعنى قوله
ثُمَّ جاؤُكَ
أي يحيوك .
هامش
( 1 ) في المصدر : فعلتموه .
( 2 ) سورة البقرة : 178 .
( 3 ) سورة المائدة : 45 .
( 4 ) أسباب النزول للواحدي : 109 .