، وانّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء و
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا
من جملة
الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
. فمعنى الآية
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
وهم مع استحقاقهم الفيء
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا
« 1 » أي قائلين على الحال . فكذلك هاهنا في
يَقُولُونَ رَبَّنا
أي و
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
.
ومما يؤيد هذا القول أنّ اللّه تعالى لم ينزل كتابه إلّا لينتفع له مبارك ، ويدل عليه على المعنى الذي اراده فقال :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
« 2 » ، وقال :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
« 3 » .
والمبين الظاهر ، وقال :
بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ
« 4 » . فوصف جميعه بالتفصيل والتبيين وقال :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
« 5 » .
ولا يجوز أن تبيّن ما لا يعلم ، وإذا جاز أن يعرفه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع قوله لا يعلمه إلّا اللّه ، جاز أن يعرفه الربانيون من أصحابه .
وقال :
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
« 6 » ولا تؤمر باتّباع ما لا يعلم ؛ ولأنّه لو لم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضل ؛ لأنهم أيضا
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
: ولأنّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [ قوما ] يوفقوا عن شيء من تفسير القرآن وقالوا : هذا متشابه لا يعلمه إلّا اللّه ، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي وغيرها .
وكان ابن عباس يقول : في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم .
وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممّن يعلم تأويله .
وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كل القرآن أعلم ولا أعلم أربعة :
غِسْلِينٍ
، و
حَناناً
، والأوّاه ، والترقيم . وهذا إنّما قال ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسّرها .
وقال آخرون : الواو في قوله
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
واو الاستئناف وتم الكلام ، وانقطع عند قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
. ثم ابتدأ وقال :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ
هامش
( 1 ) سورة الحشر : 10 .
( 2 ) سورة ص : 29 .
( 3 ) سورة الشعراء : 195 .
( 4 ) سورة الأعراف : 52 .
( 5 ) سورة النحل : 44 .
( 6 ) سورة الأعراف : 3 .