وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
، يعني يبني إبراهيم القواعد ، يعني أساس البيت ، أي الكعبة . والقواعد جماعة واحدها قاعدة .
وَإِسْماعِيلَ
، يعني إسماعيل يعينه . قال مقاتل :
وفي الآية تقديم وتأخير ، معناه وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت . ويقال : إن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يعينه ، والملائكة يناولون الحجر من إسماعيل ، وكانوا ينقلون الحجر من خمسة أجبل : طور سيناء وطور زيتاء والجودي ولبنان وحراء ؛ فلما فرغا من البناء ، قالا
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا
يعني أعمالنا .
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
، أي السميع لدعائنا بنياتنا .
وفي الآية دليل : أن الإنسان إذا عمل خيرا ينبغي أن يدعو اللّه بالقبول ، ويقال : ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل ، لأن اللّه تعالى قال :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
[ المائدة : 27 ] . وروي في الخبر أن إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - لما فرغا من البناء ، جثيا على الركب وتضرعا وسألا القبول ، فقال جبريل لإبراهيم :
قد أجيب لك ، فاسأل شيئا آخر ، فقالا :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
، أي مخلصين لك ، ويقال : واجعلنا مثبتين على الإسلام ، ويقال : مطيعين لك ، ويقال : أمتنا على الإسلام .
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
، أي اجعل بعض ذريتنا من يخلص لك ، ويثبت على الإسلام . ثم قال :
وَأَرِنا مَناسِكَنا
. أي علمنا أمور مناسكنا . وقال القتبي : الرؤية المعاينة كقوله عز وجل :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
[ الزمر : 60 ] ، وقوله :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ
[ الإنسان : 20 ] . ويقال : تذكر الرؤية ويراد بها العلم كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنبياء : 30 ] وكقوله :
أَرِنا مَناسِكَنا
، أي عملنا . وكقوله
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
. قرأ ابن كثير ومن تابعه من أهل مكة
وَأَرِنا
بجزم الراء في جميع القرآن ، والباقون بكسر الراء ، وهما لغتان والكسر أظهر وأفصح . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
- أي مطيعين وموحدين
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
، أي جماعة موحدة مطيعة لك . ويقال : أشكل عليهما موضع البيت ، فبعث اللّه تعالى سحابة فقالت له : ابن بخيالي ، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت بخيال السحابة . ثم قال تعالى
وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا
أي تجاوز عنا الزلة ،
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
بعبادك .
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ
. قال مقاتل : لأن إبراهيم علم أن في