تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
يعني : أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون . ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ
يعني يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ، لأنه أعرف بصلاح خلقه وما يصلحهم وما لا يصلحهم ، وليس لأحد أن يدخل في حكمه . وهذا كقوله
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً
[ سورة الكهف : 26 ] وقال
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ سورة الأنبياء : 23 ] . قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
الشعائر ما جعل اللّه علامات الطاعات ، واحدها شعيرة ، ومعناه لا تستحلوا شيئا من ترك المناسك كلها مما أمر اللّه تعالى من أمر الحج ، وهو السعي بين الصفا والمروة ، والخروج إلى عرفات ، ورمي الجمار ، والطواف ، واستلام الحجر وغير ذلك . وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة ، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات ، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات ، فأمر اللّه تعالى في هذه السورة بأن لا يتركوا شيئا من أمور المناسك . ثم قال :
وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام
وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ
يقول : لا تتعرضوا له ولا تستحلوا . وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة ، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك ، ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة ، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فيأمن بذلك ، فإذا رجع من مكة جعل شيئا من لحاء شجر مكة في عنق راحلته ، فيأمن بذلك ليعرف أنه كان حاجا ، فأمرهم اللّه تعالى بأن لا يستحلوا ذلك ، يعني : من فعل ذلك لا يتعرض له . ثم قال تعالى
وَلَا آمِّينَ
يقول : ولا تستحلوا قاصدين
الْبَيْتَ الْحَرامَ
نزلت في « شريح بن ضبيعة بن شرحبيل اليماني » دخل على النبي صلى اللّه عليه وسلم وكلمه ، فلما خرج من عنده مرّ بسرح لأهل المدينة فساقها ، وانتهى إلى اليمامة ثم خرج من هناك نحو مكة ومعه تجارة عظيمة ، فهمّ أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأن يخرجوا إليه ويغيروا على أمواله ، فنزل
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ
يعني الربح في المال
وَرِضْواناً
يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا . ثم نسخ بقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ سورة التوبة : 5 ] ولم ينسخ قوله
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
ولكنه محكم ، فوجب إتمام أمور المناسك ، ولهذا قال أصحابنا : إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده ، فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج ، ولا يجوز أن يترك ، ثم عليه القضاء في السنة الثانية . ونسخ قوله
وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
[ سورة التوبة : 36 ] وقوله تعالى
وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ
فهو محكم أيضا ، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي وتوجه إلى مكة ونوى الإحرام صار محرما ، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية . فهذه الأحكام معطوفة بعضها على بعض ، بعضها منسوخة وبعضها محكمة ، فإن قيل : قد قال :
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً
فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم ، ولم يذكر أن طلبهم كان باطلا ؟ قيل له : لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار ، وإنما بيّن النهي عن التعرص للذين يقصدون
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 366 | أبو الليث السمرقندي / محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري