أي بشهادة أن لا إله إلا اللّه ، ويقال : ببيان الحق . ويقال : للحق ، يعني للعرض والحجة وقوله تعالى :
قَدْ جاءَكُمُ
على وجه المجاز ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد كان فيهم ، ولكن معناه أنه قد ظهر فيكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما قال في آية أخرى
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ سورة التوبة : 128 ] أي ظهر فيكم ثم قال :
فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ
أي صدقوا بوحدانية اللّه تعالى ، والقرآن الذي جاءكم به محمد صلى اللّه عليه وسلم خيرا لكم من عبادة الأوثان ، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا . ثم قال تعالى :
وَإِنْ تَكْفُرُوا
أي إن تجحدوا باللّه وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن اللّه غنيّ عنكم
فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
كلهم عبيده وإماؤه
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بخلقه
حَكِيماً
في أمره .
ثم قال تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
قال الضحاك : أي لا تكذبوا في دينكم . وقال بعض أهل اللغة : الغلو مجاوزة القدر في الظلم . ويقال : الغلو أن تجاوز ما حدّ لك . وقال القتبي : يعني لا تفرطوا في دينكم ، فإن دين اللّه بين المقصر والغالي . وغلا في القول إذا تجاوز المقدار . وقال ابن عباس : وذلك أن اليعقوبية وهم صنف من النصارى قالوا :
عيسى هو اللّه . وقالت النسطورية : هو ابن اللّه . وقالت المرقوسية - ويقال لهم الملكانية - : هو ثالث ثلاثة ، فنزل
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
. قال مقاتل : الغلو في الدين أن يقول على اللّه غير الحق . ويقال : لا تتعمقوا في دينكم . ثم قال تعالى :
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
يعني : لا تصنعوا باللّه بما لا يليق بصفاته ، فإن اللّه تعالى واحد لا شريك له ولا ولد له .
ثم قال تعالى :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
وهو قوله
كُنْ فَيَكُونُ *
[ سورة النحل : 40 ] ثم قال :
وَرُوحٌ مِنْهُ
قال ابن عباس في رواية الكلبي :
يعني أمر منه فأتاها جبريل ، فنفخ في جيب درعها فدخلت تلك النفخة بطنها ، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها وأمه أمة اللّه تعالى
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
يعني : صدقوا بوحدانية اللّه تعالى وبما جاءكم به الرسل من اللّه تعالى
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
يعني : لا تقولوا إن اللّه ثالث ثلاثة
انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ
يقول : توبوا إلى اللّه تعالى من مقالتكم ، فالتوبة خير لكن من الإصرار على الكفر
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
ثم نزّه نفسه عما قال الكفار فقال :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
. ثم قال تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
من الخلق
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
يعني كفيلا ويقال شاهدا ولا شاهد أفضل منه .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 173 ]
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 )