والحب للّه أن يطيعوه في أمره وينتهوا عن نهيه ، فكل من كان أطوع للّه فهو أشد حبا له . كما قال القائل :
لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
ثم قال لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
يا محمد .
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
، يعني حين يرون العذاب .
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
، وفي الآية مضمر ومعناه : يا محمد لو رأيت الذين ظلموا في العذاب ، لرأيت أمرا عظيما ؛ كما تقول : لو رأيت فلانا تحت السياط فيستغني عن الجواب ، لأن معناه مفهوم . فكذلك هاهنا لم يذكر الجواب ، لأن المعنى معلوم . قرأ نافع وابن عامر : ولو ترى بالتاء على معنى المخاطب للنبي صلى اللّه عليه وسلم . وقرأ الباقون : بالياء ؛ ومعناه ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون يوم القيامة ، أن الأوثان لا تنفعهم شيئا وأن القوة للّه جميعا ، تركوا عبادتها . وقرأ ابن عامر
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ
بضم الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله ؛ وقرأ الباقون بنصب الياء على معنى الخبر عنهم . وقرأ الحسن وقتادة :
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
على معنى الابتداء ، وقرأ العامة
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ
بالنصب على معنى البناء ، يعني بأن القوة للّه جميعا
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
، يعني للرؤساء والاتباع من أهل الأوثان .
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا
، يعني القادة
مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
وهم السفلة
وَرَأَوُا الْعَذابَ
، يقال حين يروا العذاب
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
، أي العهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا . وقال القتبي : الأسباب يعني الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا . وقال بعضهم
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
، أي الخلة والمواصلة ، كما قال في آية أخرى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 67 ] ؛ ويقال : الأرحام والمودة التي كانوا يتواصلون بها فيما بينهم .
قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا
، أي السفلة :
لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً
، أي رجعة إلى الدنيا ؛ وذلك أن الرؤساء لما تبرؤوا منهم ولا ينفعونهم شيئا ، ندمت السفلة على اتباعهم في الدنيا ويقولون في أنفسهم : لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا
فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
، أي من القادة
كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا
القادة . قال اللّه تعالى :
كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ
لأنهم يرون أعمالهم غير مقبولة ، لأنها كانت لغير وجه اللّه تعالى فيكون ذلك حسرة عليهم . وقوله تعالى :
وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ
، يعني التابع والمتبوع والعابد والمعبود .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 168 إلى 169 ]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 )