وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد ليس بينه وبين الأرض بساط إلاّ الرمل والحصى فأخذ على الصورة التي وجد عليها وحمل إلى المتوكل في جوف الليل ، فمثل بين يديه والمتوكل يستعمل الشراب وفي يده كأس ، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ، ولم يكن في منزله شيء مما قيل عنه ولا حالة يتعلق عليه بها ، فناوله المتوكل الكأس الذي كان بيده ، فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فاعفنا منه ، فأعفاه وقال : أنشدني شعراً فأنشده :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غُلب الرجال فما أغنتهم القُللُ
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
إلى آخر الأبيات المعروفة قال : فأشفق من حضر على علي ، فظن أن بادرة تبدر إليه فبكى المتوكل بكاء كثيراً حتى أبلت دموعه لحيته وبكى من حضره ، ثم أمر برفع الشراب ثم قال : يا أبا الحسن أعليك دَين ؟ قال : نعم أربعة آلاف دينار فأمر بدفعها إليه وردّه إلى منزله مكرماً ( 1 ) .
روى ابن حجر الهيثمي في تاريخه للإمام الهادي ما نصه :
وكان وارث أبيه علماً وسخاءً . ومن ثم جاءه أعرابي من أعراب الكوفة وقال : إني من المتمسكين بولاء جدك وقد ركبني دين أثقلني حمله ولم أقصد لقضائه سواك ، فقال كم دَينك فقال عشرة آلاف درهم فقال طب نفساً بقضائه إن شاء الله تعالى ، ثم كتب له ورقة فيها ذلك المبلغ ديناً عليه وقال له أئتني به في المجلس العام وطالبني بها واغلظ علي في الطلب ، ففعل فاستمهله ثلاثة أيام فبلغ ذلك المتوكل فأمر له بثلاثين ألفاً فلما وصلته
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان لابن خلكان ج 3 ص 272 .