فقال : ايتوني بدواة . فأتوه بها ، فكتب لكلّ منهم بخلعة وذهب وأفراس وخدم ، وأمر كلّ واحد أن يبعث رسوله ليقبض ذلك . ثمّ ركب من فوره ، وقاموا في خدمته .
ثمّ طلبهم بعد ستّة أشهر لوليمة ، فأتاه ستّون رجلا منهم ، فأنزلهم ، وأنزل معاذا عنده . ثمّ أدخلهم حمّاما ، وطيّن بابه فماتوا كلّهم [ ( 1 ) ] . فعزّ على معاذ ذلك ، فقال المعتضد : لا ترع فإنّهم قد حضرت آجالهم ، وقد أرادوا قتلي ، ولولاك لقتلوني ، فإن أردت أن أقاسمك جميع ما أملك فعلت .
فقال : أقيم عندك ، وإلّا بأيّ وجه أرجع إلى قرمونة وقد قتلت سادات بني برزال .
فأنزله في قصر وأقطعه ، وكان من كبار أمرائه . ثمّ كان المعتمد يجلّه ويعظّمه . فحدّث بعض الإشبيليّين أنّه رأى معاذا يوم دخل يوسف بن تاشفين ، وعليه ثوب ديباج مذهب ، وبين يديه نحو ثلاثين غلاما ، وأنّه رآه في آخر النّهار وهو مكتّف في تلّيس .
ذكر هذه الحكاية بطولها عزيز في تاريخه ، فإن صحّت فيه تدلّ على لؤم المعتضد وعسفه وكفر نفسه . وقد لقّاه اللَّه في عاقبته .
وحكى عبد الواحد بن عليّ في تاريخه أنّ المعتضد كان شهما شجاعا داهية . فقيل إنّه ادّعى أنّه وقع إليه هشام المؤيّد باللَّه بن المستنصر الأمويّ ، فخطب له مدّة بالخلافة ، وكان الحامل له على تدبير هذه الحيلة ما رآه من اضطراب أهل إشبيلية عليه ، لأنّهم أنفوا من بقائهم بلا خليفة ، وبلغه أنّهم يطلبون أمويّا ليقيموه في الخلافة ، فأخبرهم بأنّ المؤيّد باللَّه عنده بالقصر ، وشهد له جماعة من حشمه بذلك ، وأنّه كالحاجب له . وأمر بذكره على المنابر ، فاستمرّ ذلك سنين إلى أن نعاه إلى النّاس في سنة خمس وخمسين وأربعمائة .
وزعم أنّه عهد إليه بالخلافة على الأندلس ، وهذا محال . وهشام هلك من سنة ثلاث وأربعمائة ، ولو كان بقي إلى السّاعة لكان يكون ابن مائة سنة وسنة .
هامش
[ ( 1 ) ] تاريخ ابن خلدون 4 / 157 باختصار شديد .