تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
الطّبّ وبرّزت فيه في مديدة حتّى بدأ الأطباء يقرءون عليّ ، وتعهّدت المرضى ، فانفتح عليّ من أبواب المعالجات النّفسيّة من التّجربة ما لا يوصف [ ( 1 ) ] . وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه ، وعمري ستّ عشرة سنة . ثمّ أعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة . ولازمت العلم سنة ونصفا . وفي هذه المدّة ما نمت ليلة واحدة بطولها . ولا اشتغلت في النّهار بغيره . وجمعت بين يديّ ظهورا ، فكلّ حجّة انظر فيها أثبت مقدّمات قياسيّة ، ورتّبتها في تلك الظّهور ، ثمّ نظرت فيما عساها تنتج . وراعيت شروط مقدّماته ، حتّى تحقّق لي حقيقة الحقّ في تلك المسألة . وكلّما كنت أتحيّر في مسألة ، أو لم أظفر بالحدّ الأوسط في قياس ، تردّدت إلى الجامع ، وصلّيت وابتهلت إلى مبدع الكلّ ، حتّى فتح لي المنغلق منه ، وتيسّر المتعسّر [ ( 2 ) ] . وكنت أرجع باللّيل إلى داري وأشتغل بالكتابة والقراءة ، فمهما غلبني النّوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشّراب ريث ما تعود إليّ قوّتي . ثمّ أرجع إلى القراءة . ومهما غلبني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها . حتّى إنّ كثيرا من المسائل اتّضح لي وجوهها في المنام [ ( 3 ) ] . وكذلك حتّى أستحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنسانيّ . وكلّما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته ولم أزدد فيه إلى اليوم . حتّى أحكمت علم المنطق والطّبيعيّ والرّياضيّ ، ثمّ عدلت إلى الإلهيّ . وقرأت كتاب « ما بعد الطّبيعة » فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس عليّ غرض واضعه ، حتّى أعدت قراءته أربعين مرّة ، وصار لي محفوظا ، وأنا مع ذلك لا أفهم ولا المقصود به . وأيست من نفسي وقلت : هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه . وإذا أنا في يوم من الأيّام حضرت وقت العصر في الورّاقين وبيد دلّال مجلّد ينادي عليه ، فعرضه عليّ فرددته ردّ متبرّم [ ( 4 ) ] ، فقال : إنّه رخيص ، بثلاثة دراهم .
هامش
[ ( 1 ) ] زاد ابن العبري : « وأنا في هذا الوقت من أبناء ستّ عشرة سنة » . ( تاريخ مختصر الدول 187 ) . [ ( 2 ) ] تاريخ مختصر الدول 187 ، وفيات الأعيان 2 / 158 . [ ( 3 ) ] تاريخ مختصر الدول 187 . [ ( 4 ) ] زاد ابن العبري : « معتقد أن لا فائدة في هذا العلم » . ( تاريخ مختصر الدول 187 ) .