راحا ، فنظر إليه الفتح وأدمن النظر ، فلم يره ينظر إليه ، فقال الفتح : يا أمير المؤمنين أرى البحتريّ في شغل عنه .
فقال : ذاك دليلي عليه ، يا راح ، قدحا بلّورا ، فاملأه شرابا وناوله [ ( 1 ) ] .
ففعل ، فلمّا ناوله بهت البحتريّ ينظر إليه ، فقال المتوكّل للفتح : كيف ترى ؟
ثم قال : يا بحتريّ ، قل في راح بيت شعر ، ولا تصرّح باسمه .
فقال :
حار بالودّ فتى أمسى * رهينا بك مدنف
اسم من أهواه في * شعري مقلوب مصحّف [ ( 2 ) ]
ذكر سينيّة البحتريّ الّتي أوّلها :
صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي * وترفّعت عن جدا كلّ جبس
وكأنّ الإيوان من عجب الصّنعة * جون [ ( 3 ) ] في جنب أرعن [ ( 4 ) ] جلس [ ( 5 ) ]
يتظنّي من الكآبة أن يبدو * لعيني مصبّح أو ممسّي
مزعجا بالفراق عن أنس إلف * عزّ أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظّه اللّيالي وبات * المشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلّدا وعليه * كلكل من كلاكل الدّهر مرسي
لم يعبه أن بزّ [ ( 6 ) ] من بسط الديباج * واستلّ من ستور الدّمقس [ ( 7 ) ]
مشمخرّ تعلو له شرفات * رفعت في رؤوس رضوى وقدس
ليس يدرى أصنع أنس لجنّ * سكنوه [ ( 8 ) ] أم صنع جنّ لإنس ؟
غير أنّي أراه يشهد أن لم * يكن بإنية في الملوك بنكس [ ( 9 ) ]
هامش
[ ( 1 ) ] العبارة في تاريخ بغداد : « يا راح خذ رطل بلور فاملأه شرابا وادفعه إليه » .
[ ( 2 ) ] تاريخ بغداد 13 / 449 .
[ ( 3 ) ] الجون : الجبل الصغير .
[ ( 4 ) ] أرعن : جبل .
[ ( 5 ) ] جلس : طويل .
[ ( 6 ) ] بزّ : انتزع أو استلّ .
[ ( 7 ) ] الدّمقس : الحرير .
[ ( 8 ) ] في معجم الأدباء : « صنعوه » ( 19 / 257 ) .
[ ( 9 ) ] النكس : المقهور الذليل .