كنت أمشي معه في أزقّة قرطبة ، فإذا نظر في موضع خال إلى ضعيف محتاج أعطاه أحد ثوبيه [ ( 1 ) ] .
وذكر أبو عبيدة صاحب القبلة قال : كان بقيّ يختم القرآن كلّ ليلة في ثلاث عشر ركعة . وكان يصلّي بالنّهار مائة ركعة ، ويصوم الدّهر ، وكان كثير الجهاد ، فاضلا .
يذكر عنه أنّه رابط اثنتين وسبعين غزوة [ ( 2 ) ] .
ونقل بعض العلماء من كتاب حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن بقيّ :
سمعت أبي يقول : رحل أبي من مكّة إلى بغداد ، وكان جلّ بغيته ملاقاة أحمد بن حنبل . قال : فلمّا قربت بلغتني المحنة ، وأنّه ممنوع . فاغتممت غمّا شديدا ، فأحللت بغداد واكتريت بيتا في فندق . ثمّ أتيت الجامع ، وأنا أريد أن أجلس إلى النّاس ، فدفعت إلى حلقة نبيلة ، فإذا برجل يتكلّم في الرجال ، فقيل لي : هذا يحيى بن معين ، ففرجت لي فرجة ، وقمت إليه ، فقلت : يا أبا زكريّا - رحمك اللَّه - رجل غريب ناء عن وطنه ، يحبّ السّؤال فلا تستجفني . فقال : قل .
فسألته عن بعض من لقيته ، فبعضا زكّى ، وبعضا جرّح .
فسألت عن هشام بن عمّار ، فقال لي : أبو الوليد صاحب صلاة دمشق ، ثقة وفوق الثقة . ولو كان تحت ردائه كبرا ومتقلّدا كبرا ما ضرّه شيئا لخيره وفضله .
فصاح أصحاب الحلقة : يكفيك - رحمك اللَّه - غيرك له سؤال .
فقلت وأنا واقف على قدميّ : أكشفك عن رجل واحد : أحمد بن حنبل .
فنظر إليّ كالمتعجّب ، وقال لي : ومثلنا نحن نكشف عن أحمد بن حنبل ؟
ذاك إمام المسلمين وأخبرهم وفاضلهم .
فخرجت أستدلّ على منزل أحمد ، فدللت عليه . فقرعت بابه ، فخرج
هامش
[ ( 1 ) ] سير أعلام النبلاء 13 / 292 .
[ ( 2 ) ] في الأصل : « وغزوة » ، والتصحيح : من تذكرة الحفاظ 2 / 631 .