تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وأمّا مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها وصمّم عليها في سنة ثمان عشرة . وامتحن العلماء ، فعوجل ولم يمهل [ ( 1 ) ] . توجّه غازيا إلى أرض الروم فلمّا وصل إلى البذندون واشتدّ به الأمر أوصى بالخلافة إلى أخيه المعتصم . وكان قد افتتح في غزوته أربعة عشر حصنا . وردّ فنزل على عين البذندون ، فأقام هناك واعتلّ . قال المسعوديّ [ ( 2 ) ] : أعجبه برد ماء العين وصفاؤها ، وطيب الموضع وكثرة الخضرة . وقد طرح له درهم في العين ، فقرأ ما عليه لفرط صفائها . ولم يقدر أحد أن يسبح فيها لشدّة بردها . فرأى سمكة نحو الذّراع كأنّها الفضّة . فجعل لمن يخرجها سيفا ، فنزل فرّاش فاصطادها وطلع ، فاضطربت وفرّت إلى الماء فتنضّح صدر المأمون ونحره وابتلّ ثوبه . ثم نزل الفرّاش ثانية وأخذها . فقال المأمون : تقلى السّاعة . ثم أخذته رعدة فغطّي باللّحف وهو يرتعد ويصيح . فأوقدت حوله نار . ثم أتي بالسّمكة فما ذاقها لشغله بحاله . فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عن مرضه ، فجسّاه ، فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال ، منذرا بالفناء ، ورأيا عرقا سائلا منه كلعاب اللّاغيّة فأنكراه ولم يجداه في كتب الطّبّ . ثم أفاق المأمون من غمرته ، فسأل عن تفسير اسم المكان بالعربيّ ، فقيل له : « مدّ رجليك » . فتطيّر به . وسأل عن اسم البقعة ، فقيل الرّقّة . وكان فيما عمل من مولده أنّه يموت بالرّقّة . فكان يتجنّب النزول بالرّقّة . فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس ، وقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه [ ( 3 ) ] . وأجلس المعتصم عنده من يلقّنه الشهادة لما ثقل . فرفع الرجل بها صوته ، فقال له ابن ماسويه : لا تصيح ، فو اللَّه ما يفرّق الآن بين ربّه وبين ماني [ ( 4 ) ] . ففتح
هامش
[ ( 1 ) ] فوات الوفيات 2 / 238 . [ ( 2 ) ] في مروج الذهب 4 / 43 - 45 ، وانظر نحوه في ( الهفوات النادرة 183 - 185 ) . [ ( 3 ) ] قول المأمون في : ( التذكرة الحمدونية 1 / 212 رقم 528 ) . [ ( 4 ) ] ماني : هو صاحب الثنوية الّذي يزعم أن النور والظلمة أزليّان قديمان ، بخلاف المجوس الذين يقولون بحدوث الظلام . ( انظر الملل والنحل للشهرستاني 188 ) .