كونه صلَّى اللَّه عليه وآله مطلعا على العوالم الإلهية عالما بحقائق الأشياء كما هي من المبدإ الأعلى وملكوته العلوي والسفلي ، وحقيقة النفس وأحوال الخلائق في تلك الدار ، ورجوع الكل إلى الواحد القهار علما مستفادا من إلهام اللَّه بطريق الكشف الروحي والإلقاء السبّوحي ، لا بوسيلة التعلم البشري والتعمّل الفكري ، كما تقدم من قوله عليه السّلام " ثم أنهى علم ذلك كله إلينا " .
وأما الثانية : أي الخصائص المتعلقة بنفسه الشريفة : فهو كونه صلَّى اللَّه عليه وآله ذا قوة باطنية بها تتمثل له الحقائق بكسوة الأشباح المثالية في العالم المتوسط بين العالمين ، بل تسري قوته إلى الحس الظاهر فهي تتشبح له في هذا العالم ، فيشاهد الملك الملقى عيانا ، ويسمع كلام اللَّه منه كفاحا بعبارات أنيقة وألفاظ فسيحة دقيقة المعاني في غاية الفصاحة والسلاسة والنفاسة ، ويطَّلع بتعليمه وإلقائه على المغيبات الجزئية ، ويخبر من الحوادث الماضية والآتية .
وأما الثالثة : أي الخصائص المتعلقة بحسّه صلَّى اللَّه عليه وآله : فهو كونه صلَّى اللَّه عليه وآله ذا قوة قوية ، وبسطة شديدة بها يقهر المعاندين والمنكرين ، ويتسلط على أعداء اللَّه وأولياء الشياطين ، وذا مصابرة على الشدائد والامتحانات ، واقتدار وتمكَّن على تجهيز الجيوش ، وتثبّت في الحروب والمبارزات .
فمجموع هذه الخصائص الثلاث بكمالها وبأنواعها من خاصية الرسالة . وأما آحاد هذه الخواص فقد يوجد في غير الأنبياء بوجه : فإن الأولى مما يتحقق في الأولياء والحكماء ، وضرب من الخاصة الثانية وبعضها توجد في أهل الكهانة والرهبانيين ، والثالثة قد تكون في الملوك الشديدة البأس والهمة .
ثم اعلم : أنه لما اقتضى حكم الإلهية الجامعة لجميع الكلمات المشتملة على الأسماء الحسني والصفات العليا أن يخلق ويبسط مملكة الإيجاد والرحمة ، ونشر لواء القدرة والحكمة بإظهار الممكنات وإيجاد المكونات من الخلائق ، وتسخير الأمور وتدبيرها ، وكان مباشرة هذا الأمر من الذات الأحدية القديمة بغير واسطة بعيدة
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 284
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٢٨٤