تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠

ثمّ اعلم أنه ليس في عالم الوجود أحد يكون أكمل مصداقا وأعلى مرتبة وأرفع مقاما وأقرب منزلة إليه تعالى من محمد وآله الطاهرين . وما تقدم في الشرح وما يأتي فكلها ترجع إلى بيان علوّ مقامهم عليهم السّلام ورفعة شأنهم ، بحيث لا يلحقهم لاحق ولا يفوقهم فائق ، وقد تقدم بيانه ، إلا أنّ المقصود من هذا البيان إيضاح كيفية سلوك غيرهم ليصلوا إلى ما يمكنهم من القرب إليه تعالى ، والترقي إلى الكمالات المعنوية والسعادات الأبدية ، وبالأخصّ إلى معرفة الباري ولقائه تعالى والوصول إليه بما يناسبه ، الذي هو غاية بغية الطالبين والسالكين إلى ربّ العالمين . ثمّ إنه مما ذكرنا تبيّن أنّ للإنسان الإمكان والاستعداد لهذه الكمالات ذاتا وبالقوة . وحينئذ يقع الكلام في كيفية إيصال هذه الاستعدادات إلى الفعليّة التامة لتحصل بها الكمالات الإلهية . فنقول : قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثمّ رددناه أسفل سافلين 95 : 4 - 5 ( 1 ) جواب للقسم السابق ، وحاصله أنّه تعالى خالقه في أحسن تقويم ، أي اشتمل عليه التقويم في جميع شؤونه وجهات وجوده ، والتقويم جعل الشيء ذا أقوام ، وقوام الشيء ما يقوم به ويثبت ، فالإنسان والمراد به الجنس ذو أحسن قوام بحسب الخلقة ، أي أنه يصلح بحسب الخلقة الروحية وما يناسبها في الجسم للعروج إلى الرفيع الأعلى ، والفوز بحياة خالدة عند ربّه سعيدة لا شقوة معها وذلك بما جهزّه اللَّه به من العلم النافع ومكنه منه من العمل الصالح كما دلَّت عليه آيات أخرى . وأما قوله ثم رددناه أسفل سافلين 95 : 5 أي في مقام منحطَّ هو أسفل من سفل إما بلحاظ ردّه من عالم الأرواح إلى عالم الأبدان والحجاب ، فقد ورد أنّ بين اللَّه وبين خلقه تسعين ألف حجاب من نور ، وتسعين ألف حجاب من ظلمة ، وإما بلحاظ ردّه إلى الشقاوة والخسران بسوء اختياره . وكيف كان فالإنسان مخلوق بحسب الخلقة الأولية الروحية على أحسن تقويم

هامش
( 1 ) التين : 4 و 5 . .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 200 | الشيخ جواد بن عباس الكربلائي / محسن الأسدي