اشتبه فظنّ أنّ الحكمة العملية المذكورة هاهنا التي طرفاها الجربزة والبلاهة هي بعينها ما هو قسيم الحكمة النظرية حيث يقال : إنّ الحكمة إما نظرية وإما عمليّة ، وذلك الظنّ فاسد للفرق بينهما ، فإن هذه الحكمة العملية هاهنا خلق نفساني أي ملكة وسجيّة راسخة في النفس الحاصلة من تكرر الأفاعيل ، التي تصدر منها الأفعال المتوسطة بين الجربزة والغباوة ( البلاهة ) بسهولة ، وهي حالة قائمة بالنفس تسمى بالحكمة فهي نظير الذكاوة والجودة الفكرية .
وأما إذا قالوا : الحكمة منها ما هو نظري ومنها ما هو عملي ، لم يريدوا به الخلق بالضمّ ، لأن ذلك أي الخلق ليس جزءا من الفلسفة كما لا يخفى ، فإن الخلق بالكلية يبحث عنها في علم الأخلاق لا الفلسفة ، بل المراد منه ما هي إحدى الفلسفتين ، أي أرادوا بها معرفة الإنسان بالملكات الخلقية أنها كم هي وما هي وما الفاضل منها وما الردي منها ، ومعرفة كيفية تحصيلها واكتسابها للنفس وإزالتها وإخراجها عن النفس ومعرفة السياسات المدنية والمنزليّة ، وبالجملة معرفة الأمور التي لنا أي للفلسفي مدخلية في إدخالها في الوجود وإخراجها عن الوجود بوجه ، وهذه المعرفة ليست غريزية وبنحو الملكة والسجيّة بحيث تكون كالطبيعة الثانية ، بل هي عمليّة حاصلة للنفس من ممارسة علميّة ، فمتى حصلنا كانت حاصلة لنا من حيث هي معرفة ، وإن لم نفعل فعلا ولم نتخلق بخلق .
والحاصل أنها قوة حاصلة من اكتساب علمي نتيجتها معرفة السياسات ، ولا ربط لها بالأعمال ، ولذا يمكن حصولها لأحد مع عدم حصول تلك الحكمة العملية المتوسطة بين الجربزة والبلاهة .
وبعبارة أخرى : الحكمة العملية قد يراد بها نفس الخلق كالحكمة العمليّة هاهنا ، وقد يراد منها العلم بالخلق ، وقد يراد بها الأفعال الصادرة عن الخلق بالضمّ .
فالحكمة العملية التي جعلت قسيمة للحكمة النظرية هي العلم بالخلق مطلقا لا نفسه ، التي تصدر الأفعال منه بسهولة ، والعلم بما يصدر منه وإفراطه أيضا
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 130
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص١٣٠