هو حقيقة السجود ، وهذا الافتقار هو حقيقة التسبيح ، وهما روح السجود والتسبيح العملي ، بحيث لو تحقق التسبيح والسجود بدونهما لما كان سجودا وتسبيحا كما لا يخفى ، وحيث إن هذا الافتقار الذاتي غير قابل التغيير والتبدل للممكن فلا محالة ، يكون جميع الممكنات ساجدة مسبحة لله تعالى ، أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه ، والحاجة إلى تخليقه وتكوينه .
وبعبارة أخرى : أن تنقض الجدار الدالة على حدوث التغير بها وفنائها نداء بلسان الحال على افتقارها إلى من يوجدها ويبقيها منزها عن صفاتها المحوجة إلى ذلك .
وإليه يشير قوله في الحديث السابق : أما سمعت خشب البيت تنقض ، وذلك تسبيحه ، فسبحان الله على كل حال .
أقول : قوله عليه السّلام : " فسبحان الله على كل حال ، "
يعني أن الممكن وإن كان أشرف الموجودات فهو بلحاظ افتقاره الذاتي يسبح الله ، فسبحان الله على كل حال منا ، أي نحن الآن كذلك مسبّحون له بلسان فقرنا إليه تعالى .
والحاصل : أن جميع الممكنات بصفاتها ولوازمها وآثارها دالة على صانعها وبارئها ومصوّرها ، وعلمه وحكمته شاهدة بتنزهه عن صفاتها المستلزمة للعجز والنقصان ، مطيعة لربها فيما خلقها له وأمرها به من مصالح عالم الكون موجهة إلى ما خلقت له ، مثلا سكون الأرض خدمتها وتسبيحها ، وصرير الماء وجريه تسبيحه وطاعته ، وقيام الأشجار والنبات ونموّها وجري الريح وأصواتها ، وهذه الأبنية وسقوطها وتحريق النار ولهبها ، وأصوات الصواعق وإضاءة البروق وجلأجل الرعود ، وجري الطيور في الجوّ ونغماتها ، كلها طاعة لخالقها وسجدة وتسبيح وتنزيه له سبحانه .
وإلى هذا النحو من الدلالة أشير في قوله عليه السّلام : " بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، وبمضادته بين الأشياء عرف أن
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 346
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٣٤٦