رسالة في الكلام على النفس الناطقة
للإمام الأوحد الجليل الرئيس أبو علي الحسين بن عبد اللّه بن سينا رحمه اللّه تعالى ورضى عنه وأرضاه ، وجعل الجنة متقلبه ومثواه وعن سائر علماء المسلمين . آمين .
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم رب يسر يا كريم الحمد للّه وحده اعلم أن الإنسان مختص من بين سائر الحيوانات بقوة درّاكة للمعقولات ، تسمى تارة نفسا ناطقة ، وتارة نفسا مطمئنة ، وتارة نفسا قدسية ، وتارة روحا روحانية ، وتارة روحا أمريا ، وتارة كلمة طيبة ، وتارة كلمة جامعة فاصلة ، وتارة سرّا إلهيّا ، وتارة نورا مدبرا ، وتارة قلبا حقيقيّا ، وتارة لبّا ، وتارة نهى ، وتارة حجى .
وهي موجودة لكل واحد من الناس طفلا كان أو كبيرا ، مراهقا كان أو بالغا ، مجنونا كان أو عاقلا ، مريضا كان أو سليما .
وتكون هذه القوة في بدء وجودها عارية عن صور المعقولات ، وتسمى حينئذ بذلك الاعتبار عقلا هيولانيا . ثم تحصل فيها صور المعقولات الأولية ، وهي معان متحققة من غير قياس وتعلم واكتساب ، وتسمى بداية العقول وآراء عامية وعلوما أولية غريزية ، وهي مثل العلم بأن الكل أعظم من الجزء ، وأن الجسم الواحد لا يشغل مكانين في حالة واحدة ، ولا يكون كله أسود وأبيض معا ، وموجودا ومعدوما . ويتهيأ بهذه القوة لاكتساب المعقولات