وقد بقي علينا من حجاج القوم شئ لم نقل فيه قولا « 1 » ، وهو احتجاجهم لتحسين العشق بالأنبياء « 2 » وما بلوا به منه . فنقول : إنه ليس من أحد يستجيز أن يعدّ العشق منقبة من مناقب الأنبياء « 3 » ولا فضيلة من فضائلهم ولا أنه شئ آثروه واستحسنوه ، بل إنما يعدّ هفوة وزلّة من هفواتهم وزلّاتهم .
وإذا كان ذلك كذلك فليس لتحسينه وتزيينه ومدحه وترويجه بهم « 5 » وجه بتّة ، لأنه إنما ينبغي لنا أن نحثّ أنفسنا ونبعثها من أفعال الرجال الفاضلين على ما رضوه لأنفسهم واستحسنوه لها وأحبّوا أن يقتدى بهم فيه ، لا على هفواتهم « 8 » وزلّاتهم وما تابوا منه وندموا عليه وودّوا أن لا يكون ذلك جرى عليهم وكان منهم . « * » فأمّا قولهم إنّ العشق يدعو إلى النظافة واللباقة والهيئة والزينة ، فما يصنع بجمال الجسد « 10 » مع قبح النفس ، وهل يحتاج إلى الجمال الجسدانىّ ويجتهد فيه إلّا النساء وذوو الخنث من الرجال ؟ ويقال إنّ رجلا دعا بعض الحكماء إلى منزله ، وكان كل شئ له من آلة المنزل على غاية السرو « 12 » والحسن ، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل والبله والفدامة . ويقال إنّ ذلك الحكيم « 13 » تأمّل كل شئ في منزله ثم إنه بصق على الرجل نفسه . فلمّا استشاط « 14 » وغضب من ذلك قال له لا تغضب ، فإنىّ تأمّلت جميع ما في منزلك وتفقّدته فلم أر فيه أسمج « 15 » ولا أرذل من نفسك ، فجعلتها موضعا للبصاق باستحقاق منها لذلك . ويقال إنّ ذلك الرجل بعد ذلك استخف « 17 » بما كان فيه وحرص على العلم والنظر
هامش
( 1 ) قولا : سقط ل -
( 2 ) الأنبياء عليهم السلام ل -
( 3 ) الأنبياء عليهم السلام ق -
( 5 ) بهم فيها ق -
( 8 ) ولا على زلاتهم ق -
( 10 ) الجسدي ك - ويجتهد فيه : سقط ق -
( 12 ) السرور ك ، الشرف ق -
( 13 ) الحكيم أراد أن يبصق وتأمل كل ما في المنزل فلم ير أقبح من صاحب المنزل فبصق عليه ق -
( 14 ) فاستشاط الرجل ل - فقال له ل -
( 15 ) شيئا أسمج ل -
( 17 ) استخف بعد ذلك ك ، بعد تلك الحال اتعظ ق - بما كان فيه : سقط ق - على طلب العلوم والنظر ل
( * ) استأنفت هاهنا رواية ك بعد حذف أكثر الفصل الخامس من الكتاب ( راجع ص 37 )