فهذا الحديث دلّ على أنه لا بدّ من الإيمان بجميع ما بينوه عليهم السّلام تأويلا وباطنا للآيات ، كما ورد عنهم في كثير من الآيات القرآنية في موارد شتى من شؤون ولايتهم عليهم السّلام التي منها ما في المقام ، ويدل على وجوب الإيمان بالظاهر والمشي عليه أيضا ردّا على الباطنية الذين اعتقدوا بأنه من عرف الأئمة عليهم السّلام بالباطن من أنهم حقائق تلك الأمور ، فلا يحتاج بعد إلى إتيان العبادات في الظاهر ، وقد تقدم مفصلا بيان في ردّهم في بيان معنى الولاية ، فراجع .
ثم إن الوجه في كونهم عليهم السّلام الصلاة والصوم الحج والكعبة والقبلة ونحوها ممّا ذكره عليه السّلام في الحديث السابق وفيما هو بمثله ما حاصله : أنه إنما خلق اللَّه الخلق - وكما علمت - ليعبدون قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) 51 : 56 وعلمت أيضا من قول الحسين عليه السّلام في السابق : " أن اللَّه ما خلق الخلق إلا ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه " ، الحديث .
فروح العبادة المعروفة فهي حينئذ الغاية للخلق ، ومن المعلوم أنهم عليهم السّلام محال معرفة اللَّه كما تقدم مفصلا ، وأنه لا يعرف اللَّه إلا بسبيل معرفتهم ، وأنه بهم عرف اللَّه وبهم عبد اللَّه كما تقدم مرارا ، فإذا كانوا عليهم السّلام حقيقة المعرفة للَّه تعالى بحيث قال الحسين عليه السّلام : " إن معرفة اللَّه معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته "
فلا محالة هم عليهم السّلام أصل العبادة وروحها الساري في فروعها وأقسامها من الصلاة والحج وغيرهما ، وأيضا لا ريب في أن للصلاة ظاهرا وهو الأفعال والأقوال ، والأذكار والهيئات المخصوصة التي افتتاحها التكبير واختتامها التسليم ، فهي بهذا المعنى هي الموضوع للأحكام الثابتة لها في الشريعة المقدسة ، التي بيّنها العلماء والفقهاء في رسائلهم العملية .
فالصلاة بهذا المعنى هو الظاهر من الصلاة التي علمت أنه لا بدّ من الإيمان بها والمشي عليها ، ولا ريب أيضا في أن لها باطنا المشار إليه بقوله تعالى : ( أقم الصلاة لذكري ) 20 : 14 وقوله عليه السّلام : " الصلاة معراج المؤمن "
وقوله عليه السّلام : " الصلاة قربان كلّ تقي "
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 43
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٤٣