ادّعاه أهل الذوق من العرفاء الحقّة الذين سلكوا مسلك الأنبياء والأئمة عليهم السّلام وهذّبوا نفوسهم عن الرذائل والنقائص بنحو ذكر في علم السلوك وإما حقّي : وهو ما يختص بذاته المقدسة . وقد تقدم أنّ قوله تعالى : ( شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو ) 3 : 18 ( 1 ) يشير إلى هذا التوحيد المختص به تعالى بحيث لم يشاركه فيه أحد . ثمّ إنّ التوحيد إمّا توحيد الذات أو الصفات أو الأفعال أو العبادة ، أمّا توحيد الذات فالحقي منه لا يمكن لأحد الوصول إليه ، بل هو مختص به تعالى ، فهو مساوق للعلم بكنه الذات المقدسة ، وقد علمت مرارا أنّه لا يمكن لأحد الوصول إليه كيف وكلّ ما سواه محاط له تعالى وهو محيط به ( ألا إنه بكلّ شيء محيط ) 41 : 54 ( 2 ) والمحاط لا يحيط بالمحيط ، وإلا لم يكن محاطا كما لا يخفى ، وقال المحقق السبزواري في شرح الأسماء ص 3 : وفي الحديث : التوحيد الحق هو اللَّه والقائم به رسول اللَّه والحافظ له نحن والتابع فيه شيعتنا ، قوله عليه السّلام : التوحيد الحق يشير إلى التوحيد الحقي كما قلنا وكما لا يخفى . وأمّا العلمي منه : فله مراتب خمس حسب اختلاف أحوال الموحّدين : الأولى : مرتبة التصوّر وهي إدراك أنّ للعالم مؤثرا ، وهذه المرتبة هي التي نفوس الخلائق مجبولة عليها باقتضاء فطرتها التي فطر الناس عليها ، وقد تقدّم قوله عليه السّلام في تفسير الفطرة التي فطر الناس عليها في قوله تعالى : ( فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ) 30 : 30 ( 3 ) انّه التوحيد وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم : وكلّ مولود يولد على الفطرة إلا أنّ أبويه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه . الثانية : مرتبة التصديق والإذعان لوجوده تعالى الثابت بالبراهين الساطعة والأدلَّة القاطعة قال سبحانه : ( أفي اللَّه شك فاطر السماوات والأرض ) 14 : 10 ( 4 ) .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 407
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٤٠٧
هامش
( 1 ) آل عمران : 18 . .
( 2 ) فصلت : 54 . .
( 3 ) الروم : 30 . .
( 4 ) إبراهيم : 10 . .