في أرض الدنيا ، فالأفاضل مظاهر جمال صفاته في مرآة أخلاقهم الربانية ، فإنه سبحانه تجلى بذاته وجميع صفاته لمرآة قلوب الكاملين المتخلقين بأخلاقه ، لتكون مرآة قلوبهم لجلال ذاته وجمال صفاته مظهرا بالضم ومظهرا بالفتح .
وأما الأراذل فهم مظاهر له تعالى بمعنى أنهم يظهرون جمال صنايعه وكمال بدايعه في مرآة حرفهم وصنايعهم ، وهم أهل الغفلة عن الحقائق والمعارف ، وهم الذين عمّرت بهم الدنيا بما فيها من أنواع الصنايع المستحدثة والمستعذبة بأنواع التجملات ، كما هم المتراءى في زماننا هذا ، ولذا قيل : لو عقل الناس لخربت الدنيا .
إن عمارتها بهؤلاء الجاهلين عن الحقائق ، وكذا يظهرون سائر الحرف والصنائع التي تحتاج إليها الناس من الحيازة والتجارة وساير الأعمال الصعبة .
وكيف كان فالخلافة العظمى إنما هي للإنسان الكامل المربّي لأفراد العالم كلها بجهته الروحانية الآخذة عن اللَّه تعالى ما يطلبه الرعايا ، وبجهة العبودية المبلَّغة إليهم ذلك فإنه بهاتين الجهتين يتمّ أمر الخلافة .
قال بعض أهل المعرفة : إن الإنسان الكامل هو بمنزلة روح العالم والعالم جسده ، فكما أن الروح إنما يدبّر الجسد ، ويتصرّف فيه بما يكون له من القوة الروحانية والجسمانية ، كذلك الإنسان الكامل يدبّر العالم ويتصرف فيه بواسطة الأسماء الإلهية التي أودعها فيه ، وعلمها إياه ، وركبّها في فطرته ، فإنها بمنزلة القوة من الروح ، فإن كل حقيقة من الحقائق ذات الإنسان الكامل ، ونشأ برزخ من حيث أحدية جمعها بين حقيقة ما من حقائق بحر الوجوب وبين حقيقة مظهرية لها من حقائق بحر الإمكان التي هي عرشها ، وتلك الحقيقة الوجوبية مستوية عليها ، فلما ورد التجلي الكمالي الجمعي على المظهر الكمالي الإنساني تلقاه بحقيقة الأحدية الجمعية الكمالية ، وسرى سرّ هذا التجلي في كل حقيقة من حقائق ذات الإنسان الكامل ، ثم فاض نور التجلي منها على ما يناسبها من العالم فما وصلت الآلاء والنعماء الواردة بالتجلي الرحماني على حقائق العالم الا بعد تعيّنه في الإنسان الكامل بمزيد صنعة لم
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 362
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٣٦٢