اختياريا له فهي بما هي اختياريّ له تعالى لا بد لها من المشيئة والإرادة والتقدير والقضاء ، ثم إنّ المشيئة من حيث ارتباطها بالفاعل تسمى مشيّة ، أي أنها صدرت من الفاعل صدورا يناسبه ، ومن حيث ارتباطها بالفعل وتعلقها به يسمى إرادة ، والتقدير الذي علمت معناه هو متأخر عن المشيّة بكلا معنييها فالمشيّة بالاعتبار الأول أعم من وجود المشيء وجوده بالفعل وعدمه .
نعم ، لا بد من المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء ، ومن تحققها في نفس الفاعل منا بعد العلم السابق بها أيضا ، إلا أن بعضها يعبّر بعنوان المقتضي ، وبعضها بعنوان العلة التامة .
وكيف كان لا يتحقق الشيء بالحتم إلا بالقضاء بالإمضاء ، وهو عبارة عن الإرادة التكوينية التي تعلق بها الإمضاء ، فاستتبعت المعلول والمراد وحينئذ ينتزع منه الحكم الذي هو الأمر ، والعلة الأخيرة التي لا واسطة بينها وبين الفعل ، فإذا تحققت هذه الأمور بأجمعها فلا بدّ من وقوع الفعل ، وإن نقض أحدها فيكشف عن وجود المانع ، وهذا المانع قد يكون جليّا فلا بدّ من دفعه في إرادة الموجود .
وأما إذا كان خفيّا كما يكون كثيرا ما بالنسبة إلينا كذلك ينتزع حينئذ منها البداء .
وبعبارة أخرى : أن البداء عبارة عن ظهور مانع في التأثير قد خفي علينا ، وكان معلوما عند اللَّه تعالى ، فمن عدم وجود المعلوم يكشف عن وجود المانع ، واللَّه تعالى قد أخفى هذا المانع لمصالح كانت في نظره .
ولعله ستجيء الإشارة إليها ، ففي هذا الموضوع يتحقق البداء ، أي كتاب المحو ، ولذا قيل : إن البداء في حقّه تعالى عبارة عن الإبداء أي إظهار ما خفي لا بمعناه الحقيقي أعني إبداء ما لم يكن كما هو في حقنا .
وهنا مثال يوضح لك هذا الأمر بتمام الوضوح ، فنقول : إذا قرّبنا نارا من قطن ، والنار مقتضية للإحراق ، ينتزع من المورد مشية الإحراق ، ثم بزيادة قربها إرادة
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 314
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٣١٤