وكيف كان فهو صلَّى اللَّه عليه وآله عبد له تعالى بتمام معنى العبودية والعبدية المفسرة في التعابير السابقة وذلك بالعقل والنقل . أمّا الأول : فإنه صلَّى اللَّه عليه وآله بظاهره وباطنه عبد داخر للَّه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلا باللَّه كما هو أقر لنفسه صلَّى اللَّه عليه وآله بذلك . وأمّا الثاني : فلقوله تعالى : ( تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) 25 : 1 ( 1 ) ، وقوله تعالى : ( سبحان الذي أسرى بعده ليلا ) 17 : 1 ( 2 ) ، فقد أثبت له صلَّى اللَّه عليه وآله صفة العبدية له تعالى ، وكفى به دلالة ودليلا . هذا وقد ثبت في محله أن صفة العبودية مقدمة على صفة الرسالة ، وأنها أخص من الرسالة وأقرب ، وذلك لأنّ العبدوية خصوصا في مثله صلَّى اللَّه عليه وآله هو الاستغراق في خدمة المولى ، الذي يفسر قوله عليه السّلام فيما تقدم من أن العين يدل على علمه باللَّه تعالى ، والباء على بونه من الخلق ، والدال على دنوه من الخالق ، فهذه الجمل هي حقيقة الاستغراق في خدمة المولى والفناء عن الخلق والنفس والدنيا كما لا يخفى . ويدل على لزوم تقديم العبودية على الرسالة نظرا إلى أن قوام الرسالة بالعبودية ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال : إن اللَّه اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا ، وأن اللَّه اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا ، وأن اللَّه اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا ، وأن اللَّه اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما ، فلما جمع له الأشياء قال : ( إنّي جاعلك للناس إماما ) 2 : 124 ( 3 ) ، ومثله أخبار أخر . وأمّا الرسالة : فهي إيصال أمر المرسل ( أي اللَّه تعالى ) إلى الخلق ، وهو مقام بعد مقام العبودية وواجدية حقائق النبوة والرسالة كما لا يخفى . الجهة الرابعة في شرح قوله : المنتجب ورسوله المرتضى ، أقول :
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 182
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص١٨٢
هامش
( 1 ) الفرقان : 1 . .
( 2 ) الإسراء : 1 . .
( 3 ) البقرة : 124 . .