والتوصيف بالحكيم بعده أي أنه تعالى بعد ما كانت ذاته المقدسة في أرفع المحل بحيث سقطت الأشياء دون بلوغ أمده ، إلا أنه تعالى عليم وفاعل للأشياء بحسب الحكمة والمصالح ، أي أنه تعالى بعد علو مكانه ، وانقطاع كل أحد دون معرفته الذاتية ، ليس بنحو لا أثر له تعالى في خلقه ، بل هو الفاعل لما يشاء بالحكمة الإلهية ، بحيث لا يضر شيئا واحدا علو مكانه ، فهو يفعل كأنه مرءى لكلّ أحد بالعين ، وذلك بحكمته البالغة وقدرته النفاذة في الأشياء لا إله إلا هو العزيز الحكيم . وقد يقال : وجه التوصيف بالعزيز وهو ما لا يكاد يوجد لقلة وجوده ، هو أنه تعالى لا يمكن أن يظهر هويته تعالى في عالم من العوالم قال عليه السّلام : " يا من لا يعلم ما هو ولا أين هو ولا حيث هو ولا كيف هو إلا هو " والوجه فيه أن العوالم بأجمعها لا تسع لوجوده تعالى ، فإن وجوده تعالى ذاته المقدسة وهي لا انقطاع لها ولا أمد لها ولا نهاية لها لا بالعدم ولا بالوجود الآخر الذي هو طارده ، بل هو تعالى محيط بتمام العوالم ( الا إنه بكلّ شيء محيط ) 41 : 54 ( 1 ) فلا يكون محاطا وموردا لتأثير من شيء ، فهو محيط علما بالأشياء ، وداخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء ، وخارج عنها لا كخروج شيء عن شيء ، وسيجئ توضيحه إن شاء اللَّه تعالى ، ومع ذلك فهو حكيم لما مرّ بيانه . الجهة الثانية : في وجه الشهادة بالوحدانية . اعلم أنه قد علمت أن الشهادة عبارة عن الدرك والوجدان ، وهو إما بالعين أو بالقلب ، والأول ظاهر في المرئيات ، وأمّا الثاني الذي به يحصل الدرك به تعالى أي بوحدانيته ، فحيث تكون الوحدة مشهودا بها كما هو المطلوب فهو ( اي هذا الدرك القلبي ) يحصل بأمور : منها : وهو الأصل : أنك تستدل أولا عقلا بوحدة الأثر ، أي بوحدة النظم في
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 120
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص١٢٠
هامش
( 1 ) فصلَّت : 54 . .