الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
أي : الثابت الذي لا يتغير
لِلرَّحْمنِ
الموصوف بجميع صفات اللطف والقهر ، المفيض على كل ما يستحق لزوال كل ملك باطل ولا قدرة حينئذ لأحد على إنجاء المعذبين منه ولا يمكنهم الالتجاء بغيره لبطلان التعلقات والإضافات وظهور ملك الرحمن على الإطلاق . أو يوم تشقق سماء القلب بغمام نور السكينة وتنزّل ملائكة القوى الروحانية بالأمداد الإلهية والأنوار الصفاتية في القيامة الوسطى تكون تلك السلطنة على القلب للرحمن المستوي على عرشه ، المتجلي له بجميع صفاته
وَ
على كلا التقديرين
كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً
أما على الأول فلتعذبهم عند خراب البدن بالهيئات المظلمة وقهر القوى السماوية ، وأما على الثاني فلظهور تعذّبهم في شهود صاحب هذه القيامة واطلاعه ، ولم يوجد موجودا مستقلا في التأثير فيناسبه ولم يكن قاهر غيره فيشاركه على حالهم أو للبناء على تأويلهم بالقوى النفسانية المقهورة هناك ، المعذبة بالرياضة ، واللّه أعلم .
تثبيت فؤاده عليه السلام بالقرآن هو أنه لما ردّ في مقام البقاء بعد الفناء إلى حجاب القلب لهداية الخلق كان قد يظهر نفسه وقتا غبّ وقت على قلبه بصفاتها ، ويحدث له التلوين بسببها كما ذكر في قوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
« 1 » ، وفي قوله :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 )
« 2 » فكان يتداركه اللّه تعالى بإنزال الوحي والجذبة ويؤدّبه ويعاتبه فيرجع إليه في كل حال ويتوب ، كما
قال عليه السلام : « أدّبني ربّي فأحسن تأديبي »
.
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة حتى يتمكن ويستقيم »
. وكان سبب ظهور ابتلاء اللّه تعالى إياه بالدعوة لإيذاء الناس إياه وعداوتهم ومناصبتهم له ، والحكمة في الابتلاء أمران ، أحدهما : راجع إليه ، وهو أن يظهر نفسه بجميع صفاتها في مقابلة استيلاء الأعداء المختلفين في النفوس وصفاتها واستعداداتها ومراتبها فيؤدّبه اللّه بحكمة وجود كل صفة وفضيلة كل قوة ، فيحصل له جميع مكارم الأخلاق وكمالات جميع الأنبياء كما
قال عليه السلام : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وأوتيت جوامع الكلم »
. فإن ظهوره بكل صفة هو ظرف قبوله لفضيلتها وحكمتها ، إذ لولا الجهات المختلفة في القلب بواسطة صفات النفس لما استعدّ لقبول الحكم المتفننة والفضائل بتخصص توجهه لكل واحدة منها . والثاني : راجع إلى الأمّة ، فإنه رسول إلى الكل واستعداداتهم متباينة ، ونفوسهم في الصفات متفاوتة . فيجب أن يكون فيه جوامع الحكم والكلم والفضائل والأخلاق ليهدي
هامش
( 1 ) سورة الحج ، الآية : 52 .
( 2 ) سورة عبس ، الآية : 1 .